خُصلات الشعر الشقراء - لويس باربييري | اﻟﻘﺼﻴﺪﺓ.ﻛﻮﻡ

لويس باربييري
Luis Barbieri

شاعر تشيلي يشتغل بتصميم وصنع الأثاث من الأخشاب المحلية (1955-)


610 | |



هل أصغيتِ إلى هذه البنايات وهي تكبر مع الليل؟
- من وادي مابوتشو تستمدُّ حيواتها-
تُولَدُ بين يدي مُشيّديها مَيّتة
بقلوب فولاذية لا تدبّ فيها الحياة
إلا إذا صُبغت من الداخل
وغُطّيتْ بالزجاج والأكاليل الضوئية من الخارج.
لو أنها أَصْغَتْ إلى هذه المدينة!
إنها طيف غامض مُتلوّ يركض
بين هذه الأبراج المُغطّاة بالأضواء اليودية
وحين كانت تقود سيارتها الـ «شيفروليه»
رأيت شعرها المُرخَى يتمايلُ
وانعكاسات الضوء الجيبيّة للمدينة النابضة
وبينما تُجري بِوَدَاعةٍ حِوَالاتٍ بنكيّة
في معبر المشاة
وتتحدث عن حُبٍّ بعيد
تغيّرت أضواء إشارات المرور
على رصيف لاس كونديس. (1)
لو أنها أصغت إلى الأرض
كأنها حوض غسيل خشبيّ
كان دائماً باحةً مستطيلة الشكل
تصاحبها أصوات العشوائيات
التي يختلط فيها الظلّ والنور
ولا تزالُ عارِضة الأسلاك الفولاذية
في الطفولة
مُحمّلة بالثياب النظيفة والغريبة.
لو أنها أصغت إلى الأرض التي طَلَعت
من الأسوار القديمة لليل
مع أضواء أخرى
تُعوِّد صحراء أتاكاما
على دماء الحيوانات التي أسقطتها ضربتي
أو تلك الأضواء الخافتة في الريف
تقودُ اليراعات في منتصف الليل
لتواجه الأحراش التي تغطي البرساء والبلُّوط الباتاغوني (2)
أو تلك التي تلمع في أعين كلب
في الحكايات حول الموقد
لو أنها أصغت إلى نسيم الصيف
الذي يمر على الماء حاملاً
صورة اسمها: «أليخاندرا»
حتى الغدير
والطيور التي تعبُر القمر في الأفق
فوق هذا الحقل القمحيّ
وتتماوج هادئة مع صمتٍ آخر
مع ظلال أشجار البولدو والماكي (3)
ولو أنها أصغت إلى الشمس حين تقترب
من ضفة النهر لتُغطّي سكون الأحجار
في الطفولة!
تروحُ وتجيءُ في الباركي أَرَاوْكَانو (4)
بين أبراجه المتاخمة لتموّج الألوانِ في الجبال
تقودُ سيارتها في الطرق السريعة
مُصطحبة «كُليْبها» الذي لا ينبح
كامرأة تشيناسكي (5) التي تنزلق
في المنعطفات حين تشربُ
الشِّعْرُ بالنسبة إليها مدينة غريبة
رأته قادماً بين الحين والآخر
خلف قُضبان من الصنوبر
أُعِيدَ طلاؤها بالكِلسِ والمطر
في هالةٍ بالأبيض والأسود
هي وجهُ صورة قديمة
أَحفِظُها الآن دائماً بين مجموعة من الصور
مع الأصوات الصغيرة التي تغطيها
كعصافير وادي مابوتشو
والكلاب التي تعتلي الجسر الجديد
ولا تنبح أبداً في المِقْعَدِ الخلفيّ
إنها تشُمُّ صوتي فقط
ولا تتذكر الشارع
في هذه الأرض
فقد صار أسطورة
وأصبح المقعد الخلفيّ
سينما مَدِينيّة
حيث يمكن رؤية وجه صورتي
يمُرّ في شرائح العرض
بنفس هدوئه في الأبيض والأسود
وأناساً يُشذّبونَ العُشب كل يوم
في حدائق لا ديهيسا (6)
لم يصغِ هؤلاء إلى هذه البنايات ليلاً
-وهي تستمدُّ حيواتها من خارج الفقاعة الورقية-
بعد تلك الصور بالأبيض والأسود
أظنّ أننا نهيمُ بخيالنا
في مدينة الأساطير هذه
حيث يظهر حشدٌ من الكائنات
التي تبحث عن المال بين أضواء الأوراق
وتحيط يومياً بمن تحمل جزءاً مِنّي
دون أن ينتبهوا إلى خصلات شعرها الشقراء
التي تضعها عكس اتجاه الريح
عندما تركب سيارتها الـ «شيفروليه»
ودون أن يدركوا أنهم يتسوّقون يوماً تلو الآخر
مع أفضل مُلهماتي لأبياتهم.




(1): مدينة في محافظة سانتياغو بتشيلي.
(2): نباتات تزرع تشيلي والأرجنتين.
(3): أشجار موطنها الأصلي أمريكا اللاتينية وخاصة الأرجنتين وتشيلي، وتعرف «الماكي-Maquí» أيضاً بالتوت التشيلي.
(4): مجمع مساحات خضراء بسنتياغو، يُشبه السنترال بارك في مانهاتن.
(5): Henry Chinaski: شخصية خيالية استخدمها الكاتب الأمريكي«شارلز بوكوفسكي» في كثير من رواياته أشهرها: مكتب البريد.
(6): اسم حي في بلدية «لو بارنيشيا» بسنتياغو.


(ﺟﻤﻴﻊ ﺗﺮﺟﻤﺎﺕ محمد الرشيدي)
اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ (0)   




نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)


https://www.buymeacoffee.com/alqasidah