في الخارج يقتلون الناس - نيكولاس بينيا بوسادا | اﻟﻘﺼﻴﺪﺓ.ﻛﻮﻡ

نيكولاس بينيا بوسادا
Nicolas Peña Posada

شاعر كولومبي ، يأخذ بيد قارئه إلى حيث لم يستطع قطّ الوصول وحده (1991-)


58 | |




في الخارج يَقتلون ناساً
في الخارج يَقتلون ناساً
مثلَنا يا ماريّا
لهُمْ نفسُ هذا القلب
الذي ينتفخُ بالمطر
يحملون عيونَنَا السوداءَ التي ورثناها عن الطين
وكذلك يأكلون الخبز في الصباح.
على بعد عشر نواصٍ امرأةٌ
توقّفت عن التنفّس
والآن تُقبّل الأرض بصمت
كأنها يدُ ابنِها.
ما قلتِه يوماً يبدو صحيحاً:
هذا البلد محكومٌ عليه بالعنف
لا يعلم الواحد ما يفعل حين يقوم
أين يضع بشرته
تحت أيّ شجرة يجلس ليغنّي
في أي ساعة يصمتُ ويطلبُ العفو
لا يعرف الواحد أن يغسل يديه
وأن يجهّز الملابس، ويخرج للعمل،
ويظلّ صامتاً، ويكتب قصيدة ــ
لا يفيد هذا في شيء
قال لي ذاك اليوم صديقٌ:
لماذا تكتب قصيدةً؟
ماذا تفعل قصيدةٌ في بلد جائع؟
ماذا تفعل الأبيات أمام جيش أعمى؟
ماذا يمكن لقصيدة أن تفعل حين يكون الجسد
حيواناً يهرب نازفاً؟
أن نحبّ بعضنا يا ماريّا، ربّما حبُّنا لبعضنا
يفيد بشيءٍ في هذه الأوقات.
هناك أشخاص فقدوا كل شيء
هناك نساء ليس لهنّ أذرع
وينمنَ على العشب
وينتظرن طوفاناً من الثلج.
هناك أطفال تيتّموا
ويبحثون في القمامة عن أسمائهم
هناك عجائز يسألون طعاماً
على حدود الليل المسنونة
هناك نورٌ يبكي عند الظهر
وينسكب على رؤوسنا.
يقول بعض الناس
إننا لم نعد نخاف
لكنني خائفٌ يا ماريّا
ألّا تعودي يوماً
لأن ضباط الشرطةِ أخذوكِ
وأنتِ تسيرين في المدينة،
خائفٌ من يومٍ كسائر الأيام
ألّا يعود لجسدكِ قيمة
وأن يمزّقوكِ، ويكسروكِ، وينسوكِ
في أيّ أرضٍ خلاءٍ
في أيّ صوت لطائر منقرض.
خائفٌ من يومٍ تتحوّل الحياة لتكون في الخلفيّة
ولا يملك الموتى
مكاناً تحت الأحجار
مكاناً ليرتاحوا
ناصيةً بأزهار بيضاء.
لدي يدان تشنقانني في الصباح
لديّ ركبتان تنكسران بالريح
لديّ أصابعُ تبحث بيأسٍ
عن شيءٍ لتُمسك بنفسها
أنا أشعر بالخوف، يا ماريّا
وأتمسّكُ بجسدكِ
كأنه تعويذة قديمة
أتمسّك بجسدكِ
لأمشي في هذه الشوارع
أتمسّكُ بجسدكِ
لأنجو من الساعات الطوال
لحالة القهوة هذه التي لا تنتهي.
يقولون إن الأمل هو آخرُ ما يُخسَر
وأنا لا أعلم إن كان هذا صحيحاً، يا ماريّا
أحياناً أبكي في الباص
أحياناً يصعب عليَّ الابتسامُ لأبويّ
أحياناً تضيع منّي الكلمات
تلتفّ، تستحيل دخاناً.
ماريّا، هناك بلدٌ يتفتّح في يديّ
هناك جرحٌ في راحة أقدامي
يكبر يوماً بعد يوم
هناك خريطةٌ من النار في ظهري
وأنا أستحيل رماداً.

أنْ نُحب بعضنا، ربّما أن نحبّ بعضنا
لنواجه أولئك الرجال
الذين يسيرون ليلاً في الأحياء
تاركين خطابات موتٍ على الأبواب
أن نحبّ بعضنا لنستطيع الإبقاء على أنفسنا
ولكي لا تستحيل عظامُنا
حجارةً يابسةً وخرساء

أنْ نُحبّ بعضنا، يا ماريّا، أن نحبّ بعضنا
كطريقة وحيدة لنبدِّدَ
ذلك الحزن الأسود الذي يخبط بجناحاته
كألف فراشة ليلٍ في الصدر.

في الخارج يقتلون ناساً مثلنا
في الخارج الجسدُ ساحةُ قتال
في الخارج الحياةُ مُعجزةٌ مظلمة
في الخارج يُطفئ الضاحكون الشمس.
أن نُحب بعضنا، يا ماريّا، ربّما أن نُحبّ بعضنا
لنستطيع أن نمشي معاً يوماً
حيث تتوقف الأرض عن كونها هذه الهاوية التي لا نورَ فيها؛
الهاوية التي ينتهي فيها كلُّ أصحابنا
قبل الأوان.





(ﺟﻤﻴﻊ ﺗﺮﺟﻤﺎﺕ أحمد محسن)
اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ (0)   




نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)