الظلمة البيضاء - عبدالله غانم | القصيدة.كوم

شاعر ومسرحي وزجال لبناني يلقب بالعندليب (1895-1959)


284 | 0 | 0 | 0




"تحت الصليب"

أيقظتني على ضفاف الغروبِ
رُبَّ إغفاءةٍ شفتْ من ذنوبِ!
أنا مالي وللرجوعِ؛
فما زلتٌ على السفح
مثلما.. في الكثيبِ.
ذقتُ يومي جميعَهُ
وعزائي أن لي بعد جرعةً ضمن كوبي.
كم تصعّدتُ في عقاب التمني
غير أني وقعتُ تحت صليبي!


"عواسج وورود"

عشتُ في واحةٍ من الحبّ زهراءَ؛
فرفرفتُ فوقها عندليبا.
سحتُ في مسمع الزمان أغاريدَ،
وفي قلبه هياماً وطيبا.
عوسجي وردةٌ
ودمعي خمرٌ
وجراحي بلاسمٌ لطبيبي.
أنا مالي وللرجوع إلى الواحةِ
إني أصبحتُ عنها غريبا!


"الأغوار السحيقة"

هام بي زورقُ الفضول؛
فما كانت حياتي في الأرض إلا امتحانا
وسبرتُ الغورَ السحيقَ؛
فمن ذعري حطمتُ المقياسَ والميزانا
ولعلي دريتُ أنيَ لا أدري؛
فأمسيت عارياً بالذي بي ...
كل شيءٍ أنّي تعلّقتُ
إخفاقاً:
بحبلٍ دعوتهُ "الإيمانا".


"النور الأسود"

وتأملتُ كل عينٍ بعيني؛
فرأيتُ السوادَ فيها الرائي.
أفرمزُ الحياة أن يولد النورُ احتراقاً
من فحمةٍ سوداءِ؟
لستُ أهوى من الدجى
غير ضوءٍ في خوافي كيانها محجوبِ
يغطسُ الوحيُ في الضباب،
ويهمي جذوةً من ضحىً على الشعراءِ.


"الشجاعة"

ولمحتُ الوعودَ تمشي أمامي هارباتٍ؛
فقمت أمشي وراها
كلما رحتُ صوبها ابتعدتْ عني.
وما زلتُ قافياً لخطاها.
اهرُبي يا منى!
فيوميَ – مهما كانت الحال –
ممعنٌ في الوثوبِ
كنتُ في أول الطريق شجاعاً،
وشجاعاً أبقى إلى منتهاها!


"الكبوة"

هجرتني مباخرُ الناس،
لما نام فألي،
وفارقَ الزهرُ حقلي.
فكأني أمسيتُ في الناس غيري،
وتجرّعتُ غربتي بين أهلي.
أنا ما خفتُ من تبدّل نفسي؛
فهي نفسي – في الصبح أو في المغيبِ.
عجبي: أن تكون للدهر عينٌ ذاتُ علمٍ
وغيرها ذات جهلِ!


"الواحة العطشى"

وتمنيتُ أن أكون كما أهوى؛
فكنتُ الذي أرادَ الوجودُ؛
واحةً –
في الصحراء – ذوّبها القيظُ
وأنشودةً جفاها العودُ.
وسراجاً يشعُّ في المنزل الداجي
بضوءٍ عن زيته محجوبِ!
دمعتي في الحياة بسمة غيري،
وشقائي: سعادةٌ ورغودُ.


"المجرمون"

وخدمتُ الغنيَّ
أبذل عيني في رضاهُ،
ومرقمي ويديّا.
فأحبَّ الغنيُّ أن أطويَ العمر فقيراً،
ليستمرَّ غنيّا.
وخدمتُ القويَّ أعطيه من عزميَ ضعفاً
وبسمةً من قطوبي
فأحبَّ القويُّ أن أطويَ العمر ضعفاً،
ليستمرَّ قويّا!


"الملاجئ الخائفة"

وتخبّأتُ بالحياة من الموت؛
فألفيتُها تهيّءُ نعشي.
وسواء عند الحياةِ:
مسيري ووقوفي.
فإنها بي تمشي.
لم أكن ملجأً لنفسيَ من نفسي.
ففجري مطيّةٌ لغروبي.
أنا أهوى الخلودَ،
لكنني أحفر قبري بمعولي وبرفشي.


"القبور المختومة"

غيِّبي الضوءَ يا دجنّةُ عني
واغمريني بلونك المكتومِ،
يولد السرُّ في الضبابِ،
ويحيا بين جدران قبره المختومِ.
كنتُ في الضوء يا دجنة عدّاءً غريباً
مبعثراً في الدروبِ.
ما أحيلاي إذ مددتُ فراش الوعيِ
فوق الضبابِ،
تحت الغيومِ!



نُشرت في العدد التاسع لمجلة "شعر" – كانون ثان 1959


الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.