إكارُس - جبرا إبراهيم جبرا | القصيدة.كوم

شاعر وروائي ومترجم ورسام وناقد فني فلسطيني عراقي، من أهم أعلام الأدب العربي الحديث. حائز على جائزة العويس الثقافية دورة 1988-1989 في مجال الدراسات الأدبية والنقد (1919-1994)


274 | 0 | 0 | 0




إكارُس، يا
عاشق الشمس، يا
قتيل النور، يا
رافع الأرض إلى السما
يا واقعاً على الصخر
في البحر اللعين وقد
فديت تجربة الإنسان
بدم الصبى
من السراديب صعدتَ
من السراديب حيث صنعتَ
من نافل الريش عنفا
رافعاً إلى السما،
من تلافيف المتاهة في الأرض
في العين والحشا،
من متاهة السراديبِ
والجدران السامقة،
حيث الظلام ونفي الحياة،
ونفي اليد العابثة،
من السراديب صعدتَ يا
إكارُس، مثلنا،
بنافل الريش مزوّدا
في انطلاقة المتمرد نحو حتفٍ
من الشمسِ من النارِ
من الموج المهلل والصخور التي
قتلتك – ثم بكت
أوصالكَ الطرية.

غنّينَ
يا عابثات البحر غنّينَ،
وارفعن فتاتا من حطام جناحيه
بين أذرع ملساء حبيبية.
فهو منا:
في شَعره أحلامنا وفي
عينيه قد جمدتْ رؤىً
من عشقنا، وفي
شفتيه صرخة الوادي
للحجارة والشجر.
في شَعره عينيه وفمه
قبلاتنا، قبلاتُ الصبايا
من الموت، من الموت في الشمس
في بؤرة النور في
بؤرة الظلام
(أنا لم أسعَ إلى الخلودِ، لا
لم أعش إلا
للفناء).
فلنملأ الوادي صراخاً
ولنملأ البحر ولنملأ الأرض والسماء
صراخاً من القرى الطاويه،
والشوارع الشوهاء
متلوية الحشا،
من مقاهي الليالي اللاهبه،
ومنازل الطينِ
على الغضين من الجسدْ
كبثور من صديد.

اللهُ يا اللهُ، رأفةً بعبادك،
نحن الصائحين في الوادْ،
النافخين في الرمادْ،
الباحثين في المتاهة
عن طيور الانعتاقْ،
نصنع الجناح من الورقْ
باسم ربنا الذي خلقْ.
يا إكارُس طِرْ وقَعْ
من حضن الحبيبة الغادرة:
فالبحر من المتاهة أرحب،
لا يلوّح بالسلاسل والبنادقْ
ولا يقيم الزنازنَ والمشانقْ.
جدرانه البعيدة مطالع القمرين والنجوم.

غنّين يا نواهدَ البحر غنينْ
واغمرنَ بالقبل وجه إكارس،
ولتحنُ على جراحه صدوركن.
من نضحها يحمل الموجُ
مع السحب الهامياتِ
إلى الشوارع الشوهاء
وقرانا الصاديات
ذكرى السنابل والشقائق المترعاتِ
بالشمس بالشمس بالشمس.


نُشرت في العدد التاسع لمجلة "شعر" – كانون ثان 1959


الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.