العائد - فؤاد رفقة | القصيدة.كوم

شاعر ومترجم وأستاذ فلسفة سوري لبناني، كُرِّمَ بمنحه جائزة غوته سنة 2010 (1930-2011)


381 | 0 | 0 | 1




-1-

في آخر الأفق المخدّر بالمساءْ
في عمق أعماق الخفاء،
سحبٌ تهبّ كأنها رجع الصدى
وكأنها عين تحنُّ إلى البكاء
عند المغيب، كأنها أبد تسرّب في الهواءْ
سحبٌ كأحلام اليتامى،
ترخي على عينيه ظلاً فاتراً،
وتثير أطيافاً مكثفةً على أجفانها لهب البقاء
فيرى الوراءْ
ماذا يرى؟
ريحُ الشتاء
في وجهه تعلو وتهبط في عياء.
ويمدُّ كفيه إلى الماضي،
إلى حلم الصفاء.
وترف أطياف محجبة، بلا صوتٍ، ترفُّ وتنطوي،
فيكاد يسمعها، يكاد يمسّها بجفونه
ويكاد يلقي راحتيه على الصدى،
فإذا المدى
ما زال يلهث في عياء
وإذا الخنادق لم تزل عطشى تحنُّ إلى الدماء
والحر والعرق الموحّل والعيون الغبر تحلم باللقاء
عند الحدود وترقب الشفق المضاء.

وتعتّم الأفق البعيدْ
فالشمس تغرب من جديدٍ، من جديدْ
كالأمس، ما زالت تعيد
مجرى الفصول وسيرة التاريخ، ما زالت تعيد.
وتلمّس الجندي حربته ومدّ حنينه خلفَ الحدودْ
من حفرةٍ، والضوء يفتر في ركودٍ، في ركودْ
فتذكر الأمس البعيد،
وتذكر الحب المشمّر، يوم لقياها،
وذاك الليل في القفر البعيد
وصدى يُعيدْ:
عصبي خيوط من حديد
ودمي جديد
ما عاد في قلبي سوى كتل الجليدْ.

شهران والعطش المملّح والسحابْ
متيبّس، ويداه خلف سلاحه،
والتل أغرقه الفتور وغاب في الأبعاد، غاب.
خلف التلال وماتت الأشياء،
مات الدفء في نبض التراب.


-2-

غرق المدى
في الهوة الكبرى ومات الضوء مات،
تخّت عروق الذكريات.
ماذا تبقى بعد أن محّت ليالي الريح آثار الخطى!
ماذا سوى "ما كان حيّاً صار ميتاً"!
لا دروبٌ، لا فمٌ يقوى على ذكر الصلاة:
كان حبي نهر حبٍ،
نهر مجهول طوى سرَّ الحياة!

وتناثرت سحب الصلاةْ
فوق الرمال كأنها وجه الليالي الموحشات،
خلف اليقينِ،
هنا اليقين هنا،
ومات الصوت ماتْ.

أيعود للماضي، لأحلام الحقول البكرِ،
للحب المسمّر في زوايا الحان، للدم للغبارْ،
يبقى يحدق بادلمار،
بالغيب، بالجو المهدّم، بالقرار!
وتلاحقت في البعد أصواتٌ وماتت،
فكأن وجه الغيب في وجه الدمار
وخطى تسير بلا نهار
عطشى تسير كأنها صمت الحجارْ.

ومضى كأن يديه ملح،
بعض أشلاء الخيالْ
ومضى وصوت الريح – من ماتوا على وهج الرمال:
عبثاً صراخك: "يا أساطير الجمال
نجّي عروقي من فصول الموت،
نجّي خطوتي مما أرى"
لا شيء في دنياك غير الوهج والدم والرمال
عد للرمال
عد للرمال،
ستظل تشرب من أساطير المحال،
ستظل لا شفة يرطبها الندى،
لا درب، لا مأوى هناك ولا ظلال
عد للرمال،
فتردد الصحراء في سأمٍ:
"هنا بطل السؤال".
وترطّب الجو المكدّس بالرؤى
والصبح مرّ على السحاب وحط في قمم الجبال.
أنا راجع يا إخوتي
أنا راجع أحيي شرايين الرمال.


نُشرت في العدد التاسع لمجلة "شعر" – كانون ثان 1959


الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.