الخريف - إلياس مسوح | القصيدة.كوم

شاعر وصحفي سوري (1933-2007)


181 | 0 | 0 | 0




كان لا بد من السفر في قطار الحزن
فالساعة تضرب وجه الأبدية
وعربات الخريف تجرّ المستقبل!
لحظة واحدة ما انقطع الصفير
ونحن نرحل في الغابات
نسأل عن ثغر يبتسم بمعنى.

مدينتنا بلا جذور
يوغل في أحداقها الظمأ المرير
وتغور أقنية التثاؤب!
ثلاثة أغصان: أنا وطفلي وأمّه
نرتدي قمصان الخريف
ونسوق ضلوعنا للمراعي
حيث تموت الخراف من الجوع
لا شيء لنأكل
فثغر حبيبتي بارد كالتعب
أمس كان يغلي.. كان ينبع منه الوهج
آه على أنّة تقتلع الصدر

شمس الظهيرة دون تاريخ
وجنين الغد يتكون بالعكس
كان لنا رحِمٌ كبيرة، قبل أن نجهض
قبل أن تثور صاعقة البعل!
العودة أفضل؟
هكذا يتهامسون.. هكذا يقول الموتى
فالضرائح التي شُقَّت..
شقّها الرعد لا المسيح!

منذ سنين ونحن نتطلّع للشرق،
لشفق أكثر احمراراً وألوهية
ونجثو، لا أدري لماذا
هل كنا نصلي؟
ربما؟ ففي الخريف تكثر الصلوات
عندما تقضم الأفاعي التراب
وتمنح سمومها لامرأة واحدة!
أيها الخريف،
أيها الطاووس اللانهائي
في أعماقي ترسو أغنية ثقيلة
هل من صقيع لديك؟!
"لا يفلّ الحديد غير الحديد"

أيها الخريف..
إننا نمشي على ساحل العمر
وقطارنا بلا محطّة
إله واحد قلنا لن يموت!
هل أتاك نعي الحب؟
في عربتي يقيمون له مناحة
أنا وسريري وفكرة البعث!
سأوصي بعصاي المشعّبة لأختي
وبالصاعقة للأرض البوار
هوى الصنم النحاسيّ بلا صوت
اضربوا القاطرة، اضربوا القاطرة بهراوة الانتقام
أو بضفيرة من زوجتي الهاربة،
من غدائرها الصباحية الأليفة!

منذ شهور سحيقة
وأعشاش السنونو مليئة بالبيض
لكنها بلا سنونو أيها الخريف
فهي نواقيس مقفلة
يخنقها الدوريّ وفرار العتبة!
منذ شهور سحيقة
وأقدامنا لصيقة بسطوح النهارات
نعدو وراء الجبل المقدس
حيث تقام مأدبة العشاء السرّي
حول طاولة مستديرة!

الرحيل يكتب قصيدته السادسة
عن الموت الضائع في سريري،
عن الأبدية المكثّفة في شفتين
أماميَ صورة ترتجل الشعر
وترتجل الجريمة!
هبني أيها الرب مقدرة الكره
وامنح أظافري وحشية المخالب
الصبر كالطاحون.. لا الخمر ولا الدخان
أطلق صواعقك أيها البعل
ومزّق سنواتنا العجاف.
مسامير النظام الحربي تندق فينا
والذباب يضاجع الحرية!
أيها الخريف الآتي كالحصان
في خميس ما تدعس الحوافر فوق الصدور
فلتكن حوافرك من الريش أو الزئبق
ضلوعنا زجاجية وجباهنا كذلك.

يقولون: الحبيبة تزوجت،
عقدت قرانها على الملايين
أود ألا أسمع الصاعقة
وتساورني شهوة التكذيب
اضربوا القاطرة.. اطعنوا شموخ المرجل
فأنا تهاويت أمام الفرار
واجتاحتني ريح التشرّد
يا زوجتي أولاً
ويا أرملتي فيما بعد
إذ أصرخ من أعماقي
وأنادي الأمس الفاغر الفم
وأنا أبحث عن طريقي الضائعة.

لأنهم نصبوا كمينا لحبي
ينتشر سلطانك أيها الخريف
حيث لا مطر ولا حرارة
وحيث يبيعون الحب بثلاثين من الفضة
بثلاثين! يا زوجتي اللعوب
يا تاجرة الرقيق الأبيض
اهرب أيها الحب..
لا مكان لنا في الأسواق!
كان عليّ أن أدعس بقسوة
يوم جثوتِ على قدمي
واغرورق ثغرك الوحشي بالشهوة
لكنني.. وأنا المقهور
كنت أسرع انفراطاً من الرمل
فبكيت وأشعلت لك شمعة!

أيها الخريف، أيها الكلّ، يا تشرين
يا حظيرة الأحلام الميتة
دعني أمرغ جبهتي
وأجرّ حدائق النار
امرأة يا تشرين، امرأة فريدة
تشدّني من لساني
وتمجّ شهوتها على سرير آخر
اضربوا القاطرة، اضربوا جبهة الشمس
أين عصاك أيها البعل؟

في الخريف لا سنونو ولا امرآة
إنها لحظة الذهول قبل الموت
البحر يرتفع إلى فوق
والغيوم تفتش عن الأرض
بعدُ، ما انقطع الصفير
"مبارك الآتي باسم الرب"!


نُشرت في العدد التاسع لمجلة "شعر" – كانون ثان 1959


الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.