حيفا بدأ الحصار - نواف رضوان | القصيدة.كوم

نواف رضوان

شاعرٌ فلسطينيٌّ (1990-) لا يسلم إنسانٍ من لسانِ قصيدته.


1346 | 0 | 0 | 0



جَرَسٌ ومنفى وانتظارْ
وأصابعٌ تغفو على حيفا
ومنفى... قد تكاثرَ في جَسدْ،
وشرودُ دوريٍّ يغنّي للبلدْ

جَرَسٌ وصوتٌ وارتدادٌ للصدى
وبدايةٌ قبلَ الجنونِ على رصيفِ الإنكسارْ
بدأ الحصارْ

نارٌ تراقصُ نفسها في الريحِ
موسيقا التوحّدِ في السؤالِ عن الوجودِ
وغايةُ المنفيِّ من لغةٍ
تبعثرُ ما استطاعتْ من شتاتِ الروحِ
في أعلى القصائدِ حيثُ تسكنُ طلقةٌ أو طلقتانْ
هي مرّةٌ أخرى لنحتملَ المكانْ
هي فرصةٌ أخرى لنسألَ عن وجودِ اللهِ
فوقَ الكرمَلِ الأبديِّ
كي نَزِنَ التفرّد قبلَ رحلتنا
إلى الصوفيِّ
إذ نمشي على خيطٍ من الإلحادِ
لا يهتزُّ إلا إن ثبتنا في مرايا الصورةِ الأولى
لتنعكسَ الصورْ
قَدَرٌ يفرّ من القدرْ

حُبلى بألفِ قصيدةٍ حيفا
وفي العشبِ القصيرِ طفولةٌ
قد جاورتْ أرضَ الألوهةِ في 'زمانِ التينِ والزيتونِ والبلدِ الأمين'
حبلى بألفِ رصاصةٍ وجنازةٍ
تدنو من الفردوسِ في وطني الحزينْ
لسنا نُفتّشُ عن بقايا موتِنا
ونعودُ من حيثُ ابتدأنا ...
في نهاياتِ الخيولِ
ورعشةِ الناياتِ
ثمّ نموتُ في الرمقِ الأخيرِ
لنهتدي...
نعشٌ لحيفا، والبقيّةُ للصدى
والماءُ قبلَ الأنبياءْ
وكذا المساءْ
والوردُ بعد الموتِ سوفَ يشابهُ الموتى
إذا وضعوهُ فوقَ رخامةٍ
نقشوا عليها الإسمَ وانصرفوا إلى أشغالهم.

لِنُعدّ هذي الأرض من جثث تخلّدُ نفسها
حيفا مبللةٌ بماءِ الوردِ
والنسيانُ يقذِفُها
هنا الموتى ظلالٌ في مهبّ النورِ بعدَ هروبِ قبّرتينْ
وغمامةٌ تمشي على مهلينْ

حيفا...
وهذا الليلُ مرآةُ التماهي،
أوّلُ المطرِ الثقيلِ يلملمُ الذكرى
من الدحنونِ في شكلِ اقتباسِ الدمِّ.
لا ماضٍ لنرجعهُ
ولا خوفٌ من النسيانِ في صوتِ الرصاصِ هنا لنسمعهُ
ولا لغةٌ تئنّ لننتشي ،
حيفا تطلُّ على الوجودِ وتستحي
حيفا عروسُ الآلهةْ
حيفا تُعدّ لنا الحياةَ على رمالِ الشاطئ المسروقِ
ثمّ تقولُ : يا ولدي
تشبّث بالدموعِ ولا تخفْ

للماءِ وقعُ خطى المسافرِ
من بداياتِ الجنوبِ
إلى نهاياتِ القصائدِ في مجاز حقيبةٍ
تعبتْ من الترحالِ
والظلُّ الطويلُ تلوّنت أطرافهُ
بالأحمرِ الدمويِّ
فاحترقَ المسافرُ كي يعودَ
ليسألَ الدوريّ عن ميناءِ حيفا
ثمّ كيفَ اللهُ ينسى أنبياءَ الشّمسِ والصبّارِ
يا أرضُ احبلي شهداءَ منسيينَ
كوني عاقرا
هُزّي بجذعِ النخلةِ الأولى ليكتملَ الزمانُ
ولا تكوني عاقرا

بِدَمٍ يفيضُ عن الوريدْ
وغدٍ بعيدْ
وتشابهِ الأمواتِ والأحياءِ في وطنٍ
تعمّدَ بالدماءِ فأصبحَ المنفى هويّةْ
كنّا نرتّبُ موتنا
نزفا فنزفاً حينَ أرسلنا التحيّةْ
صوفيّةٌ أقدارنا في البحثِ عن وَطَنٍ
يغيّرُ ما ابتدأنا منهُ
يا وطنَ التمرّدِ في صلاةِ الفجرِ
أرهقنا الكلامُ عن الصليبِ
وعن نبيٍّ واحدٍ في الناصرةْ

أنا من خطايايَ البعيدة،
من تراتيلِ النبوّةِ خلفَ آخرِ من أتى نحوَ الصليبِ
وماتَ وهوَ يئنُّ من وَجَعِ الرؤى

لا وقتَ أدركهُ بهذا الحاضرِ المجنونِ
إلا الجوع حين تُدقُّ أجراسُ الكنائسِ فيَّ
لا ماضٍ يئنُّ
ولا غدٌ يأتي ولا أمَلُ
ولا خيطٌ بترنيماتها يدنو
لكي تتنزّلَ الرُسُلُ
وأمشي خلفَ مئذنةٍ
فتمشي خلفيَ السُبُلُ
وأدعو خالقي:
يا خالقي ...
فَيَغضّ عني الطرفَ
كي ينأى بيَ الملَلُ ...

من نحنُ في طفلٍ
تعوّذَ بالرجيمِ
وراحَ يقفزُ كي يجرّبَ نفسهُ فوق الصراطِ المستقيمِ
وينتمي لليلِ دونَ عباءةٍ عربيّةٍ
حفظتهُ من شَرَكِ التألّمِ والتأمّلِ
قربَ هذا المقعدِ الشتويِّ
في زَمَنٍ تكسّرَ كالزجاجِ
ولاحَ في الأفْقِ البعيدْ
الآنَ نكملُ ما نريدْ
لا الصورةُ انتفضتْ من الأحياءْ
ولا الأمواتُ للأسماءْ
ولكنّ النهايةَ أصبحتْ حبلى بألفِ مزيدْ .








الآراء (0)