الرجل الذي يمشي - حسن المقداد | القصيدة.كوم

حسن المقداد

0


481 | 0 | 0 | 0




تقولُ لأمّكَ قبلَ الذّهابِ صباحاً:

صباحَ البنفسجِ..
يا بيلسانةَ قلبي
أحبّكِ..
لا زلتُ حيّاً وحرّاً
ولا زالَ قلبكِ عرشي..
ولا زلتُ أشعرُ باليتم..
جدّاً..
وأكتمُ يتمي..

وتمشي..
*
غبارٌ هوَ العمرُ..
كيفَ تناءت سنينٌ..
وجاءت سنينٌ..
ولا زلتَ تمشي..
غبارٌ..
وأنتَ تحاولُ أن تستمرَّ الطّفولةُ..
يا حاملَ الشّعرِ..
قم وابتكرها..
وحافظ عليها..
كنقشِ..
*
تريدكَ هذي الجموع رقيقاً
لتبكي عليك..
وتبكي عليها..
تريدكَ مستوحشاً
كي تغنّي الهواجس
منها إليها..
تريدكَ هذي الجموع امتداد الغناءِ المؤجّلِ
في مقلتيها..

تريدكَ سيّدةُ الأغنيات..
نبيَّ الغزل..
لتكتبَ عنها كثيراً..
عنِ الجفنِ والخدِّ
والجيدِ والنّهدِ
والأخذ والرّدِ
والقبلِ والبعدِ
عن كلِّ شيءٍ حصل..
وأنتَ تحبُّ
ولكنَّ حزنكَ يأبى..
من الحزنِ يا امرأتي ما قتل..

تريدكَ ضيعتك المدنيّةُ
زنبقةً فوقَ ياقتها..
كي تخبئَ غربتها..
واتساعَ الفروقات بينَ الفقير
وبينَ الوريث..
وتخبرنا أنّكَ المثلُ النّمطيُّ لأهلِ المكان..

تريدكَ بيروت..
بائعَ وردٍ..
على طرقاتِ الذين يريدون أن يعشقوها
وتخبرنا أنَّكَ المثلُ النّمطيُّ لفعل الحروب
بصوتِ الكمان..

يريدكَ ليلُ الشتاء
سراجاً..
يشاكسُ عتمتهُ..
ويحوّلُ ظلَّ الغيابِ الطويل
لنصِّ قصيدة..
يريدكَ كي تمنحَ الغيمةَ المكفهرةَ
روحاً جديدة..

يريدكَ من يكرهونكَ..
شخصاً بغيضاً
لكي يكرهوك بدونِ اختراعِ وسيلة..
يحبّونَ أن تتصعلكَ
لا لتفكِّك موروث "أزدِك"
بل ليفكّكَ صوتَكَ سيفُ القبيلة..

يريدكَ شيخُ القبيلةِ
صوتاً من الصّمت
لا يكسرُ الوزنَ
لا يجرحُ اللحنَ
لا يتحرّكُ..
ماتَ الكميتُ
ليحيا جريرٌ..
وفي الأمرِ حيلة..

وتمشي
وتسألُ نفسكَ في وسطِ هذا الدّوار المقزّزِ
هل أنت أنت؟

تريدكَ أمّكَ أنت..
*
تقولُ لأمّكَ عند المساء:
مساء الحنين..
أنا متعبٌ من تأمّلِ صورتك الصّامتة..
ولكنني لا أريدُ لقاءكِ..
كي لا تري صورتي الباهتة..

وتجمعُ حزنك في دمعتين..
وتمشي..
وتمشي طويلا..
هو الليلُ والأرقُ المستمرُّ..
وذكرى فتاةٍ تقولُ انتظرني قليلا..

وترحلُ..

ثمَّ تحاولُ أنتَ اكتشاف الحياة
لأنّكَ لن تصنعَ المستحيلا..
وتمشي طويلاً..
وتهوى طويلا..
وتغرقُ في ألفِ بحرٍ وتنسى..
وتعبرُ من ألفِ نوحٍ وتنسى..
وتصحبُ سيّدةً لقرونٍ..
وتصحبُ أخرى لخمسِ دقائق..
وتسمعُ صوتاً من الفلكِ يدعوك..
إنّكَ غارق..

"أنا البرُّ في البرِّ
والبحرُ في البحرِ
هل ثمَّ فارق؟"
*
خطاكَ التي تلثمُ الدّربَ
ملحُ..
وصوتكَ ملحٌ..
وشعرُكَ ملحُ..
وفي كلِّ شبرٍ تنقّلُ فيه ملوحتكَ العربيّةَ
جرحُ..

لديكَ الكثيرُ من الوقتِ حتّى تنام..
غداً حينَ يأخذُ حزنكَ سربُ الغمام..
فقاوم جفونكَ واكتب لأمّكَ:

عمتِ مساءً..
أنا الآنَ في غربةٍ وخواء..
لقد تركوني وحيداً..
ومالوا..
صغاراً.. صغاراً..
تخلّوا عن الدّربِ
عاشوا وماتوا صغاراً..
ولا زلتُ أومنُ بالأنبياء..
أريدكِ أنتِ لأنكِ مريمُ
في أورشليمِ التّقوقعِ
والنّرجسيّةِ
والأغبياء..
يدورُ الفراغُ علينا جميعاً..
يؤطّرنا بالشؤون الصّغيرةِ..
ننسى.. ونُنسى..

يقولُ الحطيئةُ:
هذا هجاء..

يقولُ صغيركِ:
لا بل رثاء!






الآراء (0)