"و" - حسن المقداد | القصيدة.كوم

حسن المقداد

0


503 | 0 | 0 | 0



ذلك الحرف الدّافئ في كلِّ حالاته..
يأتي بين كلمتين: عطفاً..
ويأتي في آخر الكلمة: جمعاً..
وحتّى حين نصغّرهُ نسمّيه: ضمّة!

"و"

كحلٌ يذوب
وشهقةٌ
وأنينُ
وشوارعٌ مخنوقةٌ
وطنينُ

وعلى الشّبابيك انتحابةُ ظبيةٍ
تعطي السهولَ عهودها
وتخونُ

عيناكَ
تكتشفانِ لونَ عيونها
لكنَّ قلبكَ ساهمٌ
مفتونُ

جسرٌ من التيه الطويل
معلقٌ
وصدوعهُ من جانبيهِ
تبينُ

عمداً
يغيّرُ في رتابةِ نبضه
كي لا يساورَ عزفهُ الرّوتينُ

يا مؤنسَ التفّاح
قلبك أخضرٌ
فاركع ليغمدَ سيفهُ كانونُ!

متكرّرٌ وجعُ القيامةِ
كلّما كُسِرَت خطاك
كأنّهُ التّنوينُ

وهيَ التي
وهيَ التي
وتلعثمت بك أبجديّاتٌ
وغصَّ الطّينُ

غرٌّ وتكتشفُ الهوى
متأخّراً
وبكلِّ سيّدةٍ مررتَ تَدينُ!

*

خاطبتها بالغيم
أن يا وردتي
هذا الزّمانُ الصّعب سوف يهونُ

هاتي يديك
أظنُّ أنّي خائفٌ
ويسيلُ منّي الشّوق
والتمكينُ

سأراكِ سيّدةَ المجاز
لليلةٍ
حتّى يراودَ أحرفي التضمينُ

وندخّنُ الأرقَ القديم معاً
ولا نأسى
فكلُّ الماضيات ظنونُ

هل ندركُ الماضي؟
وهل هوَ صورةٌ موثوقةٌ
أم نصفهُ تخمينُ؟

هل نفهمُ الأشياء حقّاً
أم نرى ما نشتهيه
وتستطيعُ عيونُ؟

هل كلُّ شيءِ في التّراث مطمئنٌ؟
كلّا
ولا هوَ واضحٌ مضمونُ

فلربّما
كانَ الأمينُ خليفةً بالعدلِ
لو لم يحكمِ المأمون

أو كانَ عجلُ السّامريِّ مقدّساً
لو كانَ لم يكفر بهِ هارونُ

*

القبّراتُ البيض
والسّحبُ التي ترنو إليكِ
وذابلٌ وهتونُ

وأنا أمامكِ
يا شجيرةَ غربةٍ
أهزوجةٌ يشدو بها حسّونُ

صورٌ تشاركني المكان
كأنني ألبومُ عرسٍ
يعتريه حنينُ

غامَ الطّريق
رأيتُ نفسي نرجساً تعباً
تحلّقَ حولهُ الزّيتونُ

الزّيتُ في الشّجرِ البهيِّ
وما أنا إلّا شغوفٌ بالقطاف
حنونُ

لم يختبرني نوح
كنتُ حمامةً عاديةً
واخترتُ ما سأكونُ

فنذرتُ للآفاقِ ريشي
واعترى جسدي السّلام
وقادني التكوينُ

إسمي ضليعٌ بالحنين
لأنّهُ حِسٌّ
إلى أن ترتديه النّونُ

قلبي لغاتُ التّين
ينبض سكّراً
ولقد يحبُّ الفاتناتِ التّينُ

من ينسربنَ إلى القصيدةِ
بحةً شقراءَ
يعرفُ سرَّها الموزونُ

ما إن تغرِّدَ لور في تفعيلةً
حتّى ترفرِفَ تلوها نادينُ

من يبتكرنَ اللونَ من نهداتهنَّ
ليعجزَ الرسّام والتّلوينُ

يتقنَّ تشكيلَ الكلامِ مموسقاً
تغضي الكمنجةُ
يسكتُ القانونُ

يتركنَ في شفةِ المغنّي رعشةً
لله
ممّا يتركُ الليمونُ

يا للجميلاتِ
الحروفُ تحرّكت في خطوهنَّ
فكلُّ حرفٍ لينُ

يمرقنَ..
لا يجزمنَ أنّي شاعرٌ
فالجزمُ في نحوِ الغرامِ
سكونُ

يشعلنَ بالتأنيث
قلبَ غمامةٍ
فيذوبُ عنكَ الثّلجُ يا صنّينُ
*
وأراكِ -والحزنُ القديم مشرّعٌ-
نهراً
وكلُّ الذّكرياتِ عيونُ

لا توقظي نيسانَ قبلَ أوانهِ في اللوزِ
كي لا يشتهي تشرينُ

هذا مخاضُ الوحي
سبعُ سنابلٍ سودٍ
وعصرُ المخضراتِ يحينُ

قالت لكِ النّيران
تلكَ طريقةُ المتنوّرين
فكلّهم محزونُ

لم يولدِ الخبزُ الشهيُّ بقلبهِ
لو لم يُبارَك باللهيبِ عجينُ

لم تنفتح أبواب مصرَ ليوسفٍ
لو لم يبعه مقيّداً شمعونُ

ولديكِ
ما لم تمتلكهُ جميلةٌ من قبلُ
أنَّ الشكَّ فيكِ يقينُ

في واوكِ الأولى
حضورٌ هامسٌ
متمكنٌ
حتّى تغارَ السّينُ

لا تلبسي الأغلال
يا غجريّةً
خلخالها لم يغوهِ التّمدينُ

العمرُ لعبتنا الجميلةُ
فاحملي شغفَ الطّفولةِ
كي يفوز الطّينُ

إن أدركَ الرّائي
مرونةَ عمرهِ وقتَ الصّبا
تبقينَ يا "عشرينُ"

*

غيبي
إلى أن تستفيقَ الفوضويّةُ في رؤاكِ
ويغفوَ القانونُ

في عمقِ عمقِ القلب
كونٌ آخرٌ
وهناك يعشقُ شمسهُ نبتونُ

وهيَ البعيدةُ
والطّريقُ طويلةٌ ومخيفةٌ
لكنّهُ مجنونُ

أتجنُّ فيه الشمس؟
قالت:
-ربّما تهوى الشّموسُ
وحبُّها ملعونُ

إنّي احتراقٌ فيه/منهُ
كأنني روما الفتاة
كأنّهُ نيرونُ

عيناهُ في عينيَّ كلَّ عشيّةِ
حتّى الصباحِ
ولا تكلُّ جفونُ

أبكي
فإن عانقته أحرقتهُ
يبكي
يريدُ عناقيَ المسكينُ


وندوخُ في هذا الفراغ من الفؤادِ
نشدُّ عروةَ نبضهِ
ونلينُ

هذي حكايتيَ القصيرةُ
فاكتبي:
حبٌّ على بعدِ الأحبّةِ دينُ

لا كانَ قربٌ فيهِ موتُ أحبّتي
لا يستوي المعشوق
والمدفونُ!

*

عيناكِ نصٌّ
لا ختامَ لحزنهِ
من أين تكفي للحنين متونُ

يا شطحةً صوفيةً
من وجدها يضنى الجنيدُ
وينتهي سمنونُ

يا ظبيةً سّمراءَ
أفهمُ حزنها من نهدةٍ
إذ يُذكرُ النّسرينُ

أحتاجُ للوطنِ المؤنثِ
فافتحي بابَ الكلام
ليبدأَ التّوطينُ

ظنَّ البعيدُ بأنَّ قربي خدعةٌ
إنَّ البعيدَ بطبعهِ ظنّينُ

عندَ الذي لا يفهمُ الأزهارَ
قد يتشابهُ النّعمان والأفيونُ

لستُ البديل
ولم أكن إلّا أنا
لا تخبري الصّوفيَّ كيف يكونُ

سأصبُّ نفسي الآن
خمراً بارداً في كأسِ حزنكِ
فالشّرابُ يعينُ

وسأشعلُ الأرق القديم لفافةً
إن كانَ يشرحُ حزنكِ التّدخينُ

سأكونُ شعراً
هذهِ معزوفتي
هذا طريقي الواضحُ/المكنونُ

شعراً..
إلى أن تستريحَ قصيدتي
أو يتعبَ التّحريك والتسكينُ

شعراً
إلى أن تستفيقَ يمامةٌ تحتَ الضّلوع
يحبّها المسجونُ

تتلو لهُ في اللّيلِ سورةَ مريمٍ
فتفيض من أجفانها ياسينُ

*

عيناكِ
يا جبلَ السكوت
مدينةٌ للموجِعاتِ وشارعٌ مشحونُ

والصمت في عينيك
أبيضُ فارغٌ
قولي ليبدأ منهما التّدوينُ

قولي ليشتعل الهواء
لتستحي سحب البكاء
ليزهر الليمونُ

موسى أنا بالباب
نصفي وردةٌ
نصفي رمادٌ كالدّموع سخينُ

تتراجفُ الكلمات بين أصابعي
فامدد لي الألواح يا سينينُ






الآراء (0)