قافلة الضياع - بدر شاكر السياب | القصيدة.كوم

شاعر عراقي من أكثر الشعراء العرب تأثيراً في العصر الحديث، يعتبر من رواد شعر التفعيلة في الأدب العربي (1926-1964)


3487 | 0 | 0 | 2




أرأيت قافلة الضياع؟ أما رأيت النازحين؟
الحاملين على الكواهل، من مجاعات السنين
آثام كل الخاطئين
النازفين بلا دماءْ
السائرين إلى وراءْ
كي يدفنوا هابيل وهو على الصليب ركام طين؟
قابيل، أين أخوك، أين أخوك؟
جمَّعت السماء
آمادها لتصيح. كوَّرَتِ النجوم إلى نداءْ
قابيل، أين أخوك؟
يرقد في خيام اللاجئين
السل يُوهن ساعديه، وجئته أنا بالدواءْ
والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين
ساواه والحيوان ثم رماه أسفل سافلين
ورفعته أنا بالرغيف، من الحضيض إلى العلاء
الليل يجهض، والسفائن مثقلات بالغزاهْ
بالفاتحين من اليهود
يلقين في حيفا مراسيهن. كابوس تراهْ
تحت التراب محاجر الموتى فتجحظ في اللحود
الليل يجهض فالصباح من الحرائق … في ضحاهْ
الليل يجهض فالحياهْ
شيء ترجَّح لا يموت ولا يعيش بلا حدود
شيء تفتَّح جانباه على المقابر والمهود
شيء يقول: هنا الحدود!
هذا لكل اللاجئين، وكل هذا لليهود!
---

النار تصرخ في المزارع والمنازل والدروب
في كل منعطف تصيح: أنا النضار، أنا النضارْ
من كل سنبلة تصيح ومن نوافذ كل دارْ:
أنا عجل سيناء الإله، أنا الضمير، أنا الشعوب
أنا النضار!
النار تتبعنا، كأنَّ مدى اللصوص وكل قطاع الطريق
يلهثن فيها بالوباء، كأن ألسنة الكلاب
تلتزَّ منها كالمبارد وهي تحفر في جدار النور بابْ
تتصبب الظلماء كالطوفان منه، فلا ترابْ
ليعاد منه الخلق، وانجرف المسيح مع العباب
كان المسيح بجنبه الدامي ومئزره العتيق
يسد ما حفرته ألسنة الكلاب
فاجتاحه الطوفان حتى ليس ينزف منه جنب أو جبينْ
إلا دجى كالطين تُبنى منه دور اللاجئين
النار تركض كالخيول وراءنا أَهُمُ المغول
على ظهور الصافنات؟ وهل سألت الغابرين
أروَّضوا أمس الخيول؟
أم نحن بدء الناس كل تراثنا أنصاب طين
---

النار تصهل من ورائي والقذائف لا تنام
عيونها وأبي على ظهري، وفي رحِمي جنين
عريان دون فمٍ ولا بصرٍ تكوَّر في الظلام
في بركة الدَّمِ وهو يفرك أنفه بيدٍ وكالجرس الصغير
يرنُّ ملء دمي صداه — تكاد تومض كل روحي بالسلام
حتى أكاد أراه في غبش الدماء المستنير
عريان دون فَمٍ كأفقر ما يكون بلا عظام
وبلا أبٍ، وبدون حيفا دون ذكرى — كالظلام!
أسري وأعبر، تحت أجنحة الحديد به الزمان
من الحقول إلى المراعي فالكهوف
والأرض تطمس من وراء ظهورنا، كالأبجديَّهْ
الدور فيها والدوالي شاخصات كالحروف
فكأن أمسِ غدٌ يلوحُ وليس بينهما مكان
لم يخرجونا من قرانا وحدهنَّ ولا من المدن الرخيَّهْ
لكنهم قد أخرجونا من صعيد الآدميَّهْ!
فاليوم تمتلئُ الكهوف بنا ونعوي جائعين
ونموت فيها لا نخلِّف للصغار على الصخور
سوى هباب ما نقشنا فيه من أسدٍ طعين!
ونموت فيها لا نخلِّف بعدنا حتى قبور
ماذا نحط على شواهدها؟ أكانوا لاجئين؟
اليوم تمتلئ الكهوف بنا تظلل بالخيام
وبالصفيح، وقد تغلفهنَّ بالآجُرِّ دورْ
والنور كالتابوت فيها، ليس فيه سوى ظلامْ
---

بين الكهوف وبين حيفا من ظلامٍ ألف عام أو يزيدْ
بين الكهوف وبين أمس هناك بئر لا قرار
لها، كهاوية الجحيم تلزُّ فاها دون نار
تتعلق الأجداث فيها كالجلامد في جدارْ
لحدًا على لحدٍ، أزيح الطين عنها والحجارْ
من يدفن الموتى وقد كشفوا وماتوا من جديدْ؟
من يدفن الموتى
ليولد، تحت صخرة كل شاهدة، وليدْ؟
من يدفن الموتى لئلا يرخموا باب الحياة
على أكفّ القابلاتْ؟
من يدفن الموتى لنعرف أننا بشر جديدْ!
في كل شهرٍ من شهور الجوع يومئ يوم عيدْ
فنخف نحمل من تذاكرنا صليب اللاجئينْ:
يا مكتبًا للغوث في سيناء هبْ للتائهينْ
مَنّاً وسلوى من شعيرٍ، والمشيمةَ للجنينْ
واجعل له المطَّاط سرهْ
وارزقه ثديًا من زجاج وَاحْشُ بالإدريج صدرهْ
---

وبأيما لغة نقول فيستجيب الآخرون
ونورث الدم للصغار؟
أعلمتَ — حين نقول دار أو سماء — أي دارٍ
أو سماء تخطران على العيون؟
هيهات، ليس لِلَاجئين ولاجئات من قرار
أو ديار
إلا مرابع كان فيها أمس معنى أن نكون
سنظل نضرب كالمجوس نجس ميلاد النهار!
كم ليلةٍ ظلماء كالرَّحِمِ انتظرنا في دجاها
نتلمس الدَّمَ في جوانبها ونعصر من قواها
شَعَّ الوميض على رتاج سمائها مفتاح نارْ
حتى حسبنا أن باب الصبح يفرج، ثم غارْ
وغادر الحرس الحدودْ
واختص رعدٌ في مقابر صمتها يعد القفارْ
ثم اضمحلَّ إلى غبار بين أحذية الجنودْ
الليل أجهض ناره الحمَّى وديمته انتخاب الضائعينْ
الليل أجهض: ليس فيه سوى مجوس اللاجئينْ
---

النار تركض كالخيول وراءنا أَهُمُ المغولْ
على ظهور الصافنات؟ وهل سألت الغابرين
أروضوا أمس الخيول؟
أم نحن بدء الناس: كل تراثنا أنصاب طين؟






الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)




غريب على الخليج
( 40.2k | 5 | 10 )
المومس العمياء
( 19.9k | 5 | 8 )
حفّار القبور
( 14.4k | 5 | 10 )
رحل النهار
( 10.8k | 0 | 1 )
سفر أيوب
( 9.3k | 5 | 6 )
أحبيني …!
( 6.5k | 5 | 9 )
في السوق القديم
( 6.1k | 5 | 5 )
يا غربة الروح
( 6k | 5 | 4 )
النهر والموت
( 5.5k | 0 | 0 )
دار جدي
( 5.1k | 4 | 0 )
جيكور والمدينة
( 5k | 0 | 1 )
لأني غريب
( 4.8k | 0 | 0 )
الوصية
( 4.7k | 0 | 2 )
هل كان حُبًّا؟
( 4.6k | 0 | 9 )
سربروس في بابل
( 4.6k | 0 | 1 )
إقبال والليل
( 4.4k | 0 | 0 )
أنشودة المطر
( 4.4k | 0 | 3 )
خذيني
( 4.2k | 0 | 8 )
اللقاء الأخير
( 4.2k | 0 | 1 )
مرحى غيلان
( 4k | 0 | 2 )
وصية من محتضر
( 4k | 5 | 1 )
المخبر
( 3.9k | 5 | 1 )
الأسلحة والأطفال
( 3.9k | 0 | 0 )
أساطير
( 3.8k | 0 | 0 )
مدينة السندباد
( 3.7k | 5 | 1 )
مدينة بلا مطر
( 3.7k | 0 | 2 )
في الليل
( 3.7k | 0 | 0 )
أغنية في شهر آب
( 3.5k | 0 | 0 )
رسالة من مقبرة
( 3.4k | 5 | 2 )
نداء الموت
( 3.3k | 5 | 1 )
ديوان شعر
( 3.2k | 0 | 0 )
سوف أمضي
( 3.2k | 0 | 1 )
أهواء
( 3.1k | 0 | 1 )
إلى جميلة بو حيرد
( 3.1k | 5 | 1 )
عرس في القرية
( 3.1k | 0 | 0 )
ستار
( 3.1k | 0 | 0 )
لا تزيديه لوعة
( 3k | 0 | 3 )
الباب تقرعه الرياح
( 2.8k | 0 | 0 )
عينان زرقاوان
( 2.8k | 5 | 4 )
المسيح بعد الصلب
( 2.7k | 0 | 1 )
غارسيا لوركا
( 2.7k | 0 | 0 )
منزل الأقنان
( 2.7k | 0 | 0 )
قصيدة إلى العراق الثائر
( 2.7k | 0 | 0 )
وداع
( 2.7k | 0 | 1 )
لن نفترق
( 2.6k | 0 | 3 )
اتبعيني
( 2.6k | 0 | 0 )
ربيع الجزائر
( 2.5k | 0 | 1 )
في المغرب العربي
( 2.3k | 5 | 2 )
شناشيل ابنة الجلبي
( 2.3k | 0 | 2 )
تموز جيكور
( 2.2k | 0 | 0 )
رئة تتمزق
( 2.2k | 5 | 0 )
الأم والطفلة الضائعة
( 2.2k | 0 | 0 )
سراب
( 2.2k | 0 | 0 )
الليلة الأخيرة
( 2.1k | 5 | 1 )
إرم ذات العماد
( 2.1k | 5 | 0 )
أقداح وأحلام
( 2.1k | 0 | 0 )
أفياء جيكور
( 2k | 0 | 1 )
المعبد الغريق
( 2k | 0 | 0 )
المبغى
( 2k | 0 | 0 )
رؤيا في عام 1956
( 2k | 0 | 0 )
أمام باب الله
( 2k | 5 | 1 )
هدير البحر والأشواق
( 1.9k | 0 | 0 )
قالوا لأيوب
( 1.9k | 0 | 0 )
قارئ الدم
( 1.9k | 4 | 0 )
في انتظار رسالة
( 1.8k | 0 | 0 )
ليلة انتظار
( 1.7k | 0 | 0 )
احتراق
( 1.7k | 0 | 1 )
شباك وفيقة (١)
( 1.7k | 0 | 0 )
نهاية
( 1.7k | 0 | 0 )
جيكور أمي
( 1.6k | 0 | 0 )
عكاز في الجحيم
( 1.6k | 0 | 0 )
أغنية قديمة
( 1.6k | 0 | 1 )
في ليالي الخريف الحزين
( 1.6k | 0 | 0 )
ليلة الوداع
( 1.6k | 0 | 0 )
رسالة
( 1.6k | 0 | 0 )
في القرية الظلماء
( 1.5k | 0 | 0 )
حدائق وفيقة
( 1.5k | 0 | 0 )
وغدًا سألقاها
( 1.5k | 0 | 0 )
أم كلثوم والذكرى
( 1.4k | 0 | 2 )
كيف لم أحببك؟
( 1.4k | 0 | 0 )
جيكور شابت
( 1.4k | 0 | 0 )
جيكور وأشجار المدينة
( 1.4k | 0 | 0 )
هوًى واحد
( 1.4k | 5 | 3 )
ثعلب الموت
( 1.4k | 0 | 1 )
من ليالي السهاد
( 1.4k | 0 | 0 )
ليلى
( 1.3k | 0 | 0 )
سجين
( 1.3k | 0 | 0 )
أسمعه يبكي
( 1.3k | 0 | 0 )
ملال
( 1.3k | 0 | 0 )
الشاهدة
( 1.2k | 0 | 0 )
شباك وفيقة (٢)
( 1.2k | 0 | 0 )
حنين في روما
( 1.2k | 3 | 0 )
العودة لجيكور
( 1.2k | 0 | 0 )
متى نلتقي؟
( 1.2k | 0 | 0 )
أم البروم
( 1.2k | 0 | 0 )
أغنية بنات الجن
( 1.1k | 0 | 1 )
سهر
( 1.1k | 0 | 1 )
ذكرى لقاء
( 1.1k | 0 | 0 )
في غابة الظلام
( 1.1k | 0 | 0 )
مدينة السراب
( 1.1k | 0 | 0 )
عبير
( 1.1k | 0 | 0 )
القصيدة والعنقاء
( 1.1k | 0 | 0 )
نسيم من القبر
( 1.1k | 0 | 0 )
دَرَمْ
( 1.1k | 0 | 0 )
ها … ها … هوه
( 1.1k | 0 | 0 )
المعول الحجري
( 1k | 0 | 0 )
ذهبت
( 1k | 0 | 0 )
نهر العذارى
( 1k | 0 | 1 )
سلوى
( 991 | 0 | 0 )
الموعد الثالث
( 982 | 0 | 0 )
في المستشفى
( 979 | 0 | 0 )
تعتيم
( 971 | 0 | 0 )
لقاء ولقاء
( 960 | 0 | 0 )
مرثية جيكور
( 956 | 0 | 0 )
نفس وقبر
( 956 | 0 | 1 )
خلا البيت
( 935 | 0 | 0 )
هَرِمَ المُغنِّي
( 929 | 0 | 0 )
يا نهر
( 919 | 0 | 0 )
الشاعر الرجيم
( 913 | 0 | 0 )
لوي مكنيس
( 892 | 0 | 0 )
أسير القراصنة
( 884 | 0 | 0 )
حامل الخرز الملون
( 862 | 0 | 0 )
صياح البط البري
( 846 | 0 | 0 )
ابن الشهيد
( 835 | 0 | 1 )
قصيدة من درم
( 823 | 0 | 0 )
نبوءة ورؤيا
( 812 | 0 | 0 )
فرار عام ١٩٥٣
( 812 | 0 | 0 )
الغيمة الغريبة
( 809 | 0 | 0 )
حميد
( 793 | 0 | 0 )
يقولون تحيا …
( 727 | 0 | 0 )
النبوءة الزائفة
( 714 | 0 | 1 )
أظل من بشر
( 696 | 0 | 0 )
القن والمجرَّة
( 645 | 0 | 0 )
في أُخريات الربيع
( 636 | 0 | 0 )
من رؤيا فوكاي
( 403 | 0 | 0 )