المسيح بعد الصلب - بدر شاكر السياب | القصيدة.كوم

بدر شاكر السياب

شاعر عراقي من أكثر الشعراء العرب تأثيراً في العصر الحديث، يعتبر من رواد شعر التفعيلة في الأدب العربي (1926-1964)


1311 | 0 | 0 | 1



بعدما أنزلوني، سمعت الرياحْ
في نواحٍ طويل تسفُّ النخيلْ
والخطى وهي تنأى إذن فالجراحْ
والصليب الذي سمّروني عليه طوال الأصيلْ
لم تُمِتْنِي. وأَنْصَتُّ كان العويلْ
يعبرُ السهل بيني وبين المدينهْ
مثل حبل يشدّ السفينهْ
وهي تهوي إلى القاع كان النواحْ
مثل خيط من النور بين الصباحْ
والدجى في سماء الشتاء الحزينهْ
ثم تغفو على ما تحس المدينهْ
** **

حينما يزهر التوت والبرتقالْ
حين تمتدّ "جيكور" حتى حدود الخيالْ
حين تخضرّ عشبًا يغني شذاها
والشموس التي أرضعتها سناها
حين يَخْضَرُّ حتى دجاها
يلمس الدفء قلبي، فيجري دمي في ثراها
قلبي الشمس إذ تنبضُ الشمس نورَا
قلبي الأرض، تنبض قمحًا وزهرًا وماءً نميرَا
قلبي الماء، قلبي هو السنبلُ
موته البعث يحيا بمن يأكلُ
في العجين الذي يستديرْ
ويُدْحَى كنهدٍ صغير، كثدي الحياهْ
مت بالنار أحرقت ظلماء طيني، فظل الإلهْ
كنت بدءًا، وفي البدء كان الفقيرْ
متُّ، كي يؤكلَ الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسمِ
كم حياة سأحيا ففي كل حفرهْ
صرتُ مستقبلًا، صرت بذرهْ
صرتُ جيلًا من الناس، في كل قلبٍ دمي
قطرةٌ منه أو بعض قطرهْ
** **

هكذا عدت، فاصفرَّ لما رآني يهوذا
فقد كنت سِرَّهْ
كان ظلٍّا، قد اسودَّ مني، وتمثالَ فكرهْ
جُمِّدت فيه واستُلَّتِ الروح منها
خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه …
(عيناه صخرهْ
راح فيها يواري عن الناس قبرهْ)
خاف من دفئها، من محالٍ عليه، فخبَّر عنها:
"أنت؟ أم ذاك ظلي قد ابيضَّ وارفضَّ نورًا؟
أنت من عالم الموت تسعى؟ هو الموت مرهْ
هكذا قال آباؤنا، هكذا علمونا، فهل كان زورَا؟"
ذاك ما ظنَّ لما رآني، وقالته نظرهْ
** **

قدمٌ تعدو، قدمٌ قدمُ
القبر يكاد بوقع خطاها ينهدمُ
أترى جاءوا؟ من غيرهمُ؟
قدمٌ … قدمٌ … قدمُ

ألقيت الصخرَ على صدري
أوما صلبوني أمس؟ … فها أنا في قبري
فليأتوا. إني في قبري
من يدري أني …؟ من يدري؟!
ورفاق يهوذا! من سيصدق ما زعموا؟
قدمٌ قدمُ

ها أنا الآن عريان في قبري المظلمِ
كنت بالأمس ألتف كالظن، كالبرعمِ
تحت أكفاني الثلج يخضل زهر الدمِ
كنت كالظل بين الدجى والنهارْ
ثم فجرت نفسي كنوزًا فعرَّيتها كالثمارْ
حين فصلت جيبي قماطًا وكُمِّي دثارْ
حين دفأت يومًا بلحمي عظام الصغارْ
حين عريت جرحي، وضمّدت جرحًا سواهْ
حطم السور بيني وبين الإلهْ
** **

فاجأَ الجند حتى جراحي ودقات قلبي
فاجأوا كل ما ليس موتًا وإن كان في مقبرَهْ
فاجَئُوني كما فاجأ النخلة المثمرَهْ
سرب جَوْعَى من الطير في قريةٍ مقفرَهْ
** **

أعينُ البندقيات يأكلن دربي
شرعٌ تحلم النار فيها بصلبي
إن تكن من حديدٍ ونارٍ، فأحداق شعبي
من ضياء السماوات، من ذكرياتٍ وحبِّ
تحمل العبءَ عني فيندى صليبي، فما أصغرَهْ
ذلك الموت، موتي، وما أكبرَهْ!
** **

بعد أن سمروني وألقيت عيني نحو المدينهْ
كدت لا أعرف السهل والسور والمقبرهْ
كان شيءٌ، مدى ما ترى العين
كالغابة المزهرهْ
كان في كل مرمى، صليبٌ وأمٌ حزينهْ
قُدِّسَ الرَّبُّ!
هذا مخاض المدينهْ.


بغداد 20-3-1957
نُشرت في العدد الثالث لمجلة "شعر" – حزيران 1957


الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)


https://www.buymeacoffee.com/alqasidah



غريب على الخليج
( 13.7k | 5 | 4 )
المومس العمياء
( 9k | 5 | 5 )
حفّار القبور
( 5.8k | 5 | 2 )
رحل النهار
( 4.3k | 0 | 0 )
سفر أيوب
( 4k | 0 | 1 )
في السوق القديم
( 2.6k | 5 | 3 )
هل كان حُبًّا؟
( 2.4k | 0 | 4 )
النهر والموت
( 2.3k | 0 | 0 )
جيكور والمدينة
( 2.1k | 0 | 1 )
أحبيني …!
( 2.1k | 0 | 4 )
دار جدي
( 2.1k | 4 | 0 )
خذيني
( 2k | 0 | 3 )
رسالة من مقبرة
( 1.9k | 0 | 0 )
المخبر
( 1.8k | 0 | 0 )
مرحى غيلان
( 1.8k | 0 | 0 )
وصية من محتضر
( 1.8k | 0 | 0 )
أغنية في شهر آب
( 1.7k | 0 | 0 )
سربروس في بابل
( 1.6k | 0 | 0 )
مدينة بلا مطر
( 1.6k | 0 | 1 )
مدينة السندباد
( 1.6k | 0 | 0 )
اللقاء الأخير
( 1.5k | 0 | 0 )
الأسلحة والأطفال
( 1.5k | 0 | 0 )
إقبال والليل
( 1.5k | 0 | 0 )
يا غربة الروح
( 1.5k | 0 | 0 )
سوف أمضي
( 1.5k | 0 | 1 )
أنشودة المطر
( 1.4k | 0 | 1 )
أساطير
( 1.4k | 0 | 0 )
أهواء
( 1.4k | 0 | 1 )
إلى جميلة بو حيرد
( 1.4k | 0 | 0 )
تموز جيكور
( 1.3k | 0 | 0 )
ستار
( 1.3k | 0 | 0 )
الباب تقرعه الرياح
( 1.3k | 0 | 0 )
عينان زرقاوان
( 1.3k | 0 | 1 )
عرس في القرية
( 1.3k | 0 | 0 )
نداء الموت
( 1.3k | 5 | 1 )
لا تزيديه لوعة
( 1.3k | 0 | 1 )
لأني غريب
( 1.3k | 0 | 0 )
غارسيا لوركا
( 1.2k | 0 | 0 )
لن نفترق
( 1.2k | 0 | 1 )
قافلة الضياع
( 1.2k | 0 | 2 )
رئة تتمزق
( 1.2k | 0 | 0 )
اتبعيني
( 1.1k | 0 | 0 )
الوصية
( 1.1k | 0 | 0 )
ديوان شعر
( 1.1k | 0 | 0 )
ربيع الجزائر
( 1.1k | 0 | 1 )
منزل الأقنان
( 1.1k | 0 | 0 )
رؤيا في عام 1956
( 1.1k | 0 | 0 )
وداع
( 1k | 0 | 0 )
في الليل
( 1k | 0 | 0 )
قالوا لأيوب
( 1k | 0 | 0 )
أقداح وأحلام
( 984 | 0 | 0 )
سراب
( 976 | 0 | 0 )
الليلة الأخيرة
( 942 | 0 | 1 )
أفياء جيكور
( 922 | 0 | 1 )
إرم ذات العماد
( 917 | 5 | 0 )
قارئ الدم
( 909 | 4 | 0 )
المبغى
( 904 | 0 | 0 )
في المغرب العربي
( 895 | 0 | 0 )
نهاية
( 871 | 0 | 0 )
هدير البحر والأشواق
( 801 | 0 | 0 )
جيكور وأشجار المدينة
( 745 | 0 | 0 )
عكاز في الجحيم
( 720 | 0 | 0 )
احتراق
( 717 | 0 | 0 )
الأم والطفلة الضائعة
( 706 | 0 | 0 )
أغنية قديمة
( 675 | 0 | 0 )
المعبد الغريق
( 674 | 0 | 0 )
ليلة انتظار
( 671 | 0 | 0 )
حدائق وفيقة
( 663 | 0 | 0 )
هوًى واحد
( 655 | 5 | 2 )
جيكور أمي
( 639 | 0 | 0 )
أمام باب الله
( 628 | 0 | 0 )
ثعلب الموت
( 621 | 0 | 0 )
شباك وفيقة (١)
( 615 | 0 | 0 )
في القرية الظلماء
( 614 | 0 | 0 )
جيكور شابت
( 614 | 0 | 0 )
ليلة الوداع
( 596 | 0 | 0 )
سجين
( 590 | 0 | 0 )
عبير
( 582 | 0 | 0 )
في انتظار رسالة
( 573 | 0 | 0 )
أسمعه يبكي
( 565 | 0 | 0 )
رسالة
( 548 | 0 | 0 )
القصيدة والعنقاء
( 541 | 0 | 0 )
شباك وفيقة (٢)
( 541 | 0 | 0 )
وغدًا سألقاها
( 539 | 0 | 0 )
ليلى
( 538 | 0 | 0 )
شناشيل ابنة الجلبي
( 536 | 0 | 0 )
دَرَمْ
( 522 | 0 | 0 )
من ليالي السهاد
( 516 | 0 | 0 )
نهر العذارى
( 509 | 0 | 0 )
العودة لجيكور
( 506 | 0 | 0 )
الشاهدة
( 497 | 0 | 0 )
أم كلثوم والذكرى
( 496 | 0 | 0 )
أغنية بنات الجن
( 491 | 0 | 0 )
متى نلتقي؟
( 482 | 0 | 0 )
قصيدة إلى العراق الثائر
( 477 | 0 | 0 )
سهر
( 465 | 0 | 0 )
ملال
( 464 | 0 | 0 )
أم البروم
( 463 | 0 | 0 )
كيف لم أحببك؟
( 461 | 0 | 0 )
الموعد الثالث
( 460 | 0 | 0 )
في ليالي الخريف الحزين
( 456 | 0 | 0 )
ذكرى لقاء
( 448 | 0 | 0 )
حنين في روما
( 444 | 3 | 0 )
نسيم من القبر
( 440 | 0 | 0 )
سلوى
( 433 | 0 | 0 )
تعتيم
( 432 | 0 | 0 )
مرثية جيكور
( 428 | 0 | 0 )
لقاء ولقاء
( 417 | 0 | 0 )
مدينة السراب
( 416 | 0 | 0 )
قصيدة من درم
( 411 | 0 | 0 )
في غابة الظلام
( 406 | 0 | 0 )
حامل الخرز الملون
( 392 | 0 | 0 )
المعول الحجري
( 392 | 0 | 0 )
في المستشفى
( 390 | 0 | 0 )
ها … ها … هوه
( 388 | 0 | 0 )
نفس وقبر
( 363 | 0 | 0 )
ذهبت
( 360 | 0 | 0 )
هَرِمَ المُغنِّي
( 347 | 0 | 0 )
الشاعر الرجيم
( 346 | 0 | 0 )
نبوءة ورؤيا
( 313 | 0 | 0 )
لوي مكنيس
( 306 | 0 | 0 )
صياح البط البري
( 294 | 0 | 0 )
الغيمة الغريبة
( 293 | 0 | 0 )
يا نهر
( 293 | 0 | 0 )
أسير القراصنة
( 288 | 0 | 0 )
خلا البيت
( 276 | 0 | 0 )
أظل من بشر
( 246 | 0 | 0 )
يقولون تحيا …
( 242 | 0 | 0 )
في أُخريات الربيع
( 236 | 0 | 0 )
حميد
( 231 | 0 | 0 )
القن والمجرَّة
( 228 | 0 | 0 )
النبوءة الزائفة
( 215 | 0 | 1 )
ابن الشهيد
( 213 | 0 | 0 )
فرار عام ١٩٥٣
( 212 | 0 | 0 )