مدينة السندباد - بدر شاكر السياب | القصيدة.كوم

بدر شاكر السياب

شاعر عراقي من أكثر الشعراء العرب تأثيراً في العصر الحديث، يعتبر من رواد شعر التفعيلة في الأدب العربي (1926-1964)


1574 | 0 | 0 | 0




١
جوعان في القبر بلا غذاءْ
عريان في الثلج بلا رداءْ
صرخت في الشتاءْ
أقض يا مطرْ
مضاجع العظام والثلوج والهباءْ
مضاجع الحجرْ
وأنبت البذور، ولتفتح الزهرْ
وأحرق البيادر العقيم بالبروقْ
وفجر العروقْ
وأثقل الشجرْ
وجئت يا مطرْ
تفجرتْ تنثك السماء والغيومْ
وشقق الصخرْ
وفاض من هباتك الفراتُ واعتكرْ
وهبّت القبورُ، هُزَّ موتها وقامْ
وصاحت العظامْ
تبارك الإله، واهب الدم المطرْ
فآه يا مطرْ!
نودُّ لو ننام من جديدْ
نودُّ لو نموت من جديدْ
فنومنا براعم انتباهْ
وموتنا يخبئ الحياهْ
نود لو أعادنا الإلهْ
إلى ضمير غيبه الملبَّد العميقْ
نَوَدُّ لو سعى بنا الطريقْ
إلى الوراء، حيث بدؤه البعيدْ
من أيقظ "العازر" من رقاده الطويلْ؟
ليعرف الصباح والأصيلْ
والصيف والشتاءْ
لكي يجوع أو يحسّ جمرة الصدىْ
ويحذر الردى
ويحسب الدقائق الثقال والسِّراعْ
ويمدح الرعاعْ
ويسفك الدماءْ!
من الذي أعادنا، أعاد ما نخافْ؟
من الإله في ربوعنا؟
تعيش ناره على شموعنا
يعيش حقده على دموعنا

٢
أهذا أدونيس، هذا الحواءْ؟
وهذا الشحوب، وهذا الجفافْ؟
أهذا أدونيس، أين الضياءْ؟
وأين القطافْ؟
مناجل لا تحصدُ
أزاهر لا تعقدُ
مزارع سوداء من غير ماءْ!
أهذا انتظار السنين الطويلهْ؟
أهذا صراخ الرجولهْ؟
أهذا أنين النساءْ؟
أدونيس! يا لاندحار البطولهْ
لقد حطم الموت فيك الرجاءْ
وأقبلت بالنظرة الزائغهْ
وبالقبضة الفارغهْ

بقبضةٍ تهددُ
ومنجل، لا يحصدُ
سوى العظام والدمِ
اليوم؟ والغدُ؟
متى سيولدُ؟
متى سنولدُ؟

٣
الموت في الشوارعْ
والعقم في المزارعْ
وكل ما نحبه يموتْ
الماء قيّدوه في البيوتْ
وألهث الجداول الجفافْ
هُمُ التتار أقبلوا، ففي المدى رعافْ
وشمسنا دمٌ، وزادنا دمٌ على الصحافْ
محمد اليتيم أحرقوه فالمساءْ
يضيء من حريقه، وفارت الدماءْ
من قدميه، من يديه، من عيونهْ
وأحرق الإله في جفونهْ
محمد النبي في "حراء" قيّدوهْ
فسُمِّرَ النهار حيث سمّروهْ
غدًا سيصلبُ المسيح في العراقْ
ستأكل الكلاب من دم البراقْ

٤
يا أيها الربيعْ
يا أيها الربيع ما الذي دهاكْ؟
جئت بلا مطرْ
جئت بلا زَهَرْ
جئت بلا ثَمَرْ
وكان منتهاك مثل مبتداكْ
يلفه النجيعْ …
وأقبل الصيف علينا أسود الغيومْ
نهاره همومْ
وليله نسهر فيه نحسب النجومْ
حتى إذا السنابلْ
نضجن للحصادْ
وغنت المناجلْ
وغطت البيادر الوهادْ
خُيِّلَ للجياع أن ربة الزهرْ
عشتار، قد أعادت الأسير للبشرْ
وكللت جبينه الغضير بالثمرْ
خُيِّلَ للجياع أن كاهل المسيحْ
أزاح عن مدفنه الحجرْ
فسار يبعث الحياة في الضريحْ
ويبرئ الأبرص أو يجدد البصرْ؟
من الذي أطلق من عقالها الذئابْ؟
من الذي سقى من السرابْ؟
وخبأ الوباء في المطرْ؟
الموت في البيوت يولدْ
يولد قابيلُ لكي ينتزع الحياهْ
من رحم الأرضومن منابع المياهْ
فيظلم الغدُ
وتجهض النساء في المجازرْ
ويرقص اللهيب في البيادرْ
ويهلك المسيح قبل العازرْ
دعوه يرقدُ
دعوه فالمسيح ما دعاهْ!
ما تبتغون! لحمه المقددُ
يباع في مدينة الخطاهْ
مدينة الحبال والدماء والخمورْ
مدينة الرصاص والصخورْ!
أمس أزيح من مداها فارس النحاسْ
أمس أزيح فارس الحجرْ
فران في سمائها النعاسْ
ورنق الضجرْ
وجال في الدروب فارسٌ من البشرْ
يقتل النساءْ
ويصبغ المهود بالدماءْ
ويلعن القضاء والقدرْ!

٥
كأن بابل القديمة المسورهْ
تعود من جديدْ
قبابها الطوال من حديدْ
يدق فيها جرسٌ كأن مقبرهْ
تئن فيه، والسماء ساح مجزرهْ
جنانها المعلقات زرعُها الرؤوسْ
تجزها قواطع الفؤوسْ
وتنقر الغربان من عيونها
وتغرب الشموسْ
وراء شعرها الخصيب في غصونها
أهذه مدينتي؟ أهذه الطلولْ
خُطَّ عليها: "عاشت الحياهْ"
من دم قتلاها، فلا إلهْ
فيها، ولا ماء، ولا حقولْ؟
أهذه مدينتي؟ خناجر التترْ
تُغمد فوق بابها، وتلهث الفلاهْ
حول دروبها، ولا تزورها القمرْ؟
أهذه مدينتي أهذه الحُفَرْ
وهذه العظامْ؟
يطلُّ من بيوتها الظلامْ
وتُصبغ الدماء بالقتامْ
لكي تضيع، لا يراها قاطع الأثرْ؟
أهذه مدينتي؟ جريحة القبابْ
فيها يهوذا أحمر الثيابْ
يسلِّط الكلابْ
على مهود إخوتي الصغار … والبيوتْ
تأكل من لحومهم وفي القرى تموتْ
عشتار عطشى، ليس في جبينها زهرْ
وفي يديها سلة ثمارها حجرْ
ترجم كل زوجة به وللنخيلْ
في شطها عويلْ.




الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)


https://www.buymeacoffee.com/alqasidah



غريب على الخليج
( 13.7k | 5 | 4 )
المومس العمياء
( 9k | 5 | 5 )
حفّار القبور
( 5.8k | 5 | 2 )
رحل النهار
( 4.3k | 0 | 0 )
سفر أيوب
( 4k | 0 | 1 )
في السوق القديم
( 2.6k | 5 | 3 )
هل كان حُبًّا؟
( 2.4k | 0 | 4 )
النهر والموت
( 2.3k | 0 | 0 )
جيكور والمدينة
( 2.1k | 0 | 1 )
أحبيني …!
( 2.1k | 0 | 4 )
دار جدي
( 2.1k | 4 | 0 )
خذيني
( 2k | 0 | 3 )
رسالة من مقبرة
( 1.9k | 0 | 0 )
المخبر
( 1.8k | 0 | 0 )
مرحى غيلان
( 1.8k | 0 | 0 )
وصية من محتضر
( 1.8k | 0 | 0 )
أغنية في شهر آب
( 1.7k | 0 | 0 )
سربروس في بابل
( 1.6k | 0 | 0 )
مدينة بلا مطر
( 1.6k | 0 | 1 )
اللقاء الأخير
( 1.5k | 0 | 0 )
الأسلحة والأطفال
( 1.5k | 0 | 0 )
إقبال والليل
( 1.5k | 0 | 0 )
يا غربة الروح
( 1.5k | 0 | 0 )
سوف أمضي
( 1.5k | 0 | 1 )
أنشودة المطر
( 1.4k | 0 | 1 )
أساطير
( 1.4k | 0 | 0 )
أهواء
( 1.4k | 0 | 1 )
إلى جميلة بو حيرد
( 1.4k | 0 | 0 )
تموز جيكور
( 1.3k | 0 | 0 )
ستار
( 1.3k | 0 | 0 )
الباب تقرعه الرياح
( 1.3k | 0 | 0 )
المسيح بعد الصلب
( 1.3k | 0 | 1 )
عينان زرقاوان
( 1.3k | 0 | 1 )
عرس في القرية
( 1.3k | 0 | 0 )
نداء الموت
( 1.3k | 5 | 1 )
لأني غريب
( 1.3k | 0 | 0 )
لا تزيديه لوعة
( 1.3k | 0 | 1 )
غارسيا لوركا
( 1.2k | 0 | 0 )
لن نفترق
( 1.2k | 0 | 1 )
قافلة الضياع
( 1.2k | 0 | 2 )
رئة تتمزق
( 1.2k | 0 | 0 )
اتبعيني
( 1.1k | 0 | 0 )
الوصية
( 1.1k | 0 | 0 )
ديوان شعر
( 1.1k | 0 | 0 )
ربيع الجزائر
( 1.1k | 0 | 1 )
منزل الأقنان
( 1.1k | 0 | 0 )
رؤيا في عام 1956
( 1.1k | 0 | 0 )
وداع
( 1k | 0 | 0 )
في الليل
( 1k | 0 | 0 )
قالوا لأيوب
( 1k | 0 | 0 )
أقداح وأحلام
( 984 | 0 | 0 )
سراب
( 976 | 0 | 0 )
الليلة الأخيرة
( 943 | 0 | 1 )
أفياء جيكور
( 923 | 0 | 1 )
إرم ذات العماد
( 917 | 5 | 0 )
قارئ الدم
( 909 | 4 | 0 )
المبغى
( 904 | 0 | 0 )
في المغرب العربي
( 895 | 0 | 0 )
نهاية
( 872 | 0 | 0 )
هدير البحر والأشواق
( 801 | 0 | 0 )
جيكور وأشجار المدينة
( 745 | 0 | 0 )
عكاز في الجحيم
( 720 | 0 | 0 )
احتراق
( 718 | 0 | 0 )
الأم والطفلة الضائعة
( 706 | 0 | 0 )
أغنية قديمة
( 675 | 0 | 0 )
المعبد الغريق
( 675 | 0 | 0 )
ليلة انتظار
( 671 | 0 | 0 )
حدائق وفيقة
( 665 | 0 | 0 )
هوًى واحد
( 655 | 5 | 2 )
جيكور أمي
( 639 | 0 | 0 )
أمام باب الله
( 628 | 0 | 0 )
ثعلب الموت
( 622 | 0 | 0 )
شباك وفيقة (١)
( 616 | 0 | 0 )
جيكور شابت
( 615 | 0 | 0 )
في القرية الظلماء
( 614 | 0 | 0 )
ليلة الوداع
( 596 | 0 | 0 )
سجين
( 590 | 0 | 0 )
عبير
( 582 | 0 | 0 )
في انتظار رسالة
( 574 | 0 | 0 )
أسمعه يبكي
( 566 | 0 | 0 )
رسالة
( 548 | 0 | 0 )
شباك وفيقة (٢)
( 542 | 0 | 0 )
القصيدة والعنقاء
( 541 | 0 | 0 )
وغدًا سألقاها
( 540 | 0 | 0 )
ليلى
( 538 | 0 | 0 )
شناشيل ابنة الجلبي
( 537 | 0 | 0 )
دَرَمْ
( 523 | 0 | 0 )
من ليالي السهاد
( 516 | 0 | 0 )
نهر العذارى
( 509 | 0 | 0 )
العودة لجيكور
( 506 | 0 | 0 )
الشاهدة
( 498 | 0 | 0 )
أم كلثوم والذكرى
( 496 | 0 | 0 )
أغنية بنات الجن
( 491 | 0 | 0 )
متى نلتقي؟
( 482 | 0 | 0 )
قصيدة إلى العراق الثائر
( 477 | 0 | 0 )
سهر
( 465 | 0 | 0 )
ملال
( 464 | 0 | 0 )
أم البروم
( 464 | 0 | 0 )
كيف لم أحببك؟
( 462 | 0 | 0 )
الموعد الثالث
( 460 | 0 | 0 )
في ليالي الخريف الحزين
( 456 | 0 | 0 )
ذكرى لقاء
( 448 | 0 | 0 )
حنين في روما
( 445 | 3 | 0 )
نسيم من القبر
( 440 | 0 | 0 )
سلوى
( 435 | 0 | 0 )
تعتيم
( 432 | 0 | 0 )
مرثية جيكور
( 428 | 0 | 0 )
لقاء ولقاء
( 417 | 0 | 0 )
مدينة السراب
( 416 | 0 | 0 )
قصيدة من درم
( 412 | 0 | 0 )
في غابة الظلام
( 406 | 0 | 0 )
حامل الخرز الملون
( 392 | 0 | 0 )
المعول الحجري
( 392 | 0 | 0 )
في المستشفى
( 390 | 0 | 0 )
ها … ها … هوه
( 388 | 0 | 0 )
نفس وقبر
( 363 | 0 | 0 )
ذهبت
( 360 | 0 | 0 )
هَرِمَ المُغنِّي
( 347 | 0 | 0 )
الشاعر الرجيم
( 347 | 0 | 0 )
نبوءة ورؤيا
( 313 | 0 | 0 )
لوي مكنيس
( 306 | 0 | 0 )
صياح البط البري
( 295 | 0 | 0 )
الغيمة الغريبة
( 294 | 0 | 0 )
يا نهر
( 293 | 0 | 0 )
أسير القراصنة
( 288 | 0 | 0 )
خلا البيت
( 276 | 0 | 0 )
أظل من بشر
( 246 | 0 | 0 )
يقولون تحيا …
( 242 | 0 | 0 )
في أُخريات الربيع
( 236 | 0 | 0 )
حميد
( 231 | 0 | 0 )
القن والمجرَّة
( 228 | 0 | 0 )
النبوءة الزائفة
( 215 | 0 | 1 )
ابن الشهيد
( 214 | 0 | 0 )
فرار عام ١٩٥٣
( 213 | 0 | 0 )