أجب أيها القلب - محمد مهدي الجواهري | القصيدة.كوم

محمد مهدي الجواهري

شاعر عراقي، يعتبر من أهم شعراء العرب في القرن ال20. تميزت قصائده بالتزام عمود الشعر التقليدي، على جمال في الديباجة وجزالة في النسيج (1899-1997)


1437 | 0 | 0 | 1




إلقاء: محمد مهدي الجواهري



نُظمت عام 1940 وكان الشاعر في حالة نفسية ثائرة، ونُشرت في 28 كانون الثاني/ديسمبر 1941 وقد شاطره الشعراء أحزانه وكان في الطليعة الرصافي الذي نظم قصيدة يواسي بها الشاعر.


أُعيذُ القوافي زاهياتِ المطالعِ
مزاميرَ عزّافٍ، أغاريدَ ساجعِ

لِطافاً بأفواه الرُّواة، نوافذاً
إلى القلب، يجري سحرهُا في المسامعِ

تكادُ تُحِسّ القلبَ بين سُطورها
وتمسَحُ بالأردانِ مَجرى المدامعِ

بَرِمْتُ بلوم الَّلائمين، وقولِهمْ:
أأنتَ إلى تغريدةٍ غيرُ راجعِ

أأنتَ تركتَ الشعرَ غيرَ مُحاولٍ
أمِ الشعرُ إذ حاولتَ غيرُ مطاوعِ

وهْل نضَبتْ تلك العواطفُ ثَرَّةً
لِطافاً مجاريها، غِرارَ المنابعِ

أجبْ أيّها القلبُ الذي لستُ ناطقاً
إذا لم أُشاورْهُ، ولستُ بسامعِ

وَحدِّثْ فإنَّ القومَ يَدْرُونَ ظاهراً
وتخفى عليهمْ خافياتُ الدوافِع

يظُنّونَ أنّ الشِّعْرَ قبسةُ قابسٍ
متى ما أرادُوه وسِلعةُ بائعِ

أجبْ أيُّها القلبُ الذي سُرَّ معشرٌ
بما ساءهُ مِنْ فادحاتِ القوارِع

بما رِيع منكَ اللبُّ نفَّسْتَ كُربةً
وداويتَ أوجاعاً بتلكَ الروائعِ

قُساةٌ مُحبّوك الكثيرونَ إنَّهمْ
يرونكَ – إنْ لم تَلْتَهِبْ – غيرَ نافعِ

وما فارَقَتْني المُلْهِباتُ وإنَّما
تطامَنْتُ حتّى جمرُها غيرُ لاذعي

ويا شعْرُ سارعْ فاقتَنصْ منْ لواعجي
شوارِدَ لا تُصطادُ إنْ لم تُسارِع

ترامْينَ بعضاً فوقَ بعضٍ وغُطّيتْ
شَكاةٌ بأخرى، دامياتِ المقاطعِ

وفَجِّر قُروحاً لا يُطاقُ اختِزانُها
ولا هي مما يتقى بالمباضعِ

ويا مُضْغَةَ القلبِ الذي لا فَضاؤها
بِناءٍ ولا أبعادُها بشواسِعِ

أأنتِ لهذي العاطفاتِ مفازَةٌ
نسائِمُها مُرْتْجَّةٌ بالزعازِعِ

حَمَلْتُكِ حتَّى الأربعينَ كأنَّني
حَمَلْتُ عَدُوّي من لِبانِ المراضعِ

وأرْعَيْتِني شَرَّ المراعي وبِيلةً
وأوْرَدْتِني مُسْتَوَبآتِ الشَّرائعِ

وحوّلتِ مِنّي مَنْطِقَ العقلِ مُلقياً
لعاطفةٍ عَمْيا زِمامَ المُتابِعِ

تَلفَّتُّ أطرافي ألمُّ شتائتاً
من الذكرياتِ الذّاهباتِ الرواجعِ

تحاشَيْتُها دَهْراً أخافُ انبعاثَها
على أنَّها معدودةٌ مِنْ صنائعي

على أنَّها إذ يُعْوِزُ الشِّعْرَ رافِدٌ
تلوحُ له أشباحُها في الطلائعِ

فمنها الذي فوقَ الجبينِ لوقعهِ
يدٌ، ويدٌ بين الحشا والأضالعِ

فمنها الذي يُبكي ويُضحِك أمرُهُ
فيفتُّر ثغرٌ عِنْ جُفونٍ دوامعِ

ومنها الذي تدنو فتبعدُ نُزَّعاً
شواخِصُهُ مِثْلَ السَّرابِ المُخادعِ

ومنها الذي لا أنتَ عنهُ إذا دَنا
براضٍ ولا منهُ – بعيداً – بجازعِ

حَوى السِجنُ منها ثُلَّةً وتحدَّرَتْ
إلى القبرِ أخرى، وهي أمُّ الفجائعِ

وباءتْ بأقساهُنَّ كَفّي وما جَنَتْ
مِن الضُرِّ مما تَتَّقيهِ مسامعي

ومكبْوتةٍ لم يشفَعِ الصَّفْحُ عندَها
مشيتُ إليها مِنْ أناةٍ بشافِعِ

غَزَتْ مُهجتي حتَّى ألانَتْ صَفاتَها
ولاثَتْ دمي حتى أضَرَّتْ بطابَعي

رَبتْ في فؤادٍ بالتشاحُنِ غارِقٍ
مليءٍ، وفي سمَّ الحزازاتِ ناقعِ

كوامِنُ مِنْ حِقْدٍ وإثمٍ ونِقْمَةٍ
تَقَمَّصْنَني يَرْقُبْنَ يومَ التراجُعِ

فقْلتُ لها يا فاجراتِ المَخادِعِ
تَزَيَّيْنَ زِيَّ المُحصَناتِ الخواشعِ

وقَرْنَ بصدْرٍ كالمقابر مُوحشٍ
ولُحْنَ بوجهٍ كالأثافيِّ سافِعِ

وأرعَبْنَ أطيافي وشَرَدْنَ طائفاً
مِن النوم يَسري في العيون الهواجعِ

وكُنَّ بريقاً في عُيوني، وهِزَّةً
بجسمي، وبُقْيا رَجفَةٍ في أصابعي

ودِفْنَ زُعافاً في حياتي يُحيلُها
إلى بُؤرةٍ من قسوةٍ وتقاطُعِ

وعلَّمْنَني كيفَ احتباسي كآبَتي
وكيفَ اغتصابي ضِحكةَ المُتَصانِعِ

وثُرْنَ فظيعاتٍ إذا حُمَّ مَخْرَجٌ
وقُلْنَ ألسنا من نَتاجِ الفظائعِ

وقُلْنَ ألسنا من نذالةِ شامتٍ
وَفْجرَةِ غَدّارٍ وإمْرَةِ خانعِ

تحلَّبَ أقوامٌ ضُرُوعً المنافِعِ
ورحتُ بوَسقٍ من "أديبٍ" و "بارعِ "

وعَلَّلتُ أطفالي بَشرِّ تعلِّةٍ
خُلودِ أبيهم في بُطونِ المجامعِ

وراجعتُ أشعاري سِجَّلاً فلم أجِدْ
بهِ غيرَ ما يُودي بِحِلْمِ المُراجِعِ

ومُسْتَنْكرٍ شَيْباً قُبيلَ أوانهِ
أقولُ له : هذا غبارُ الوقائعِ

طرحتُ عصا التِّرحالِ واعتَضتُ متْعباً
حياةَ المُجاري عن حياةِ المُقارِعِ

وتابَعْتُ أبْقَى الحالَتْينِ لمُهجتي
وإنْ لم تَقُمْ كلْتاهُما بِمطامعي

ووُقِّيتُ بالجبنِ المكارِهَ والأذى
ومَنْجى عتيقِ الجُبن كرُّ المَصارِعِ

رأيتُ بعيني حينَ كَذَّبْتُ مَسْمَعي
سماتِ الجُدودِ في الحدود الضَّوارعِ

وأمعنتُ بحثاً عن أكفٍّ كثيرةٍ
فألفيتُ أعلاهُنَّ كَفَّ المُبايعِ

نأتْ بي قُرونٌ عن زُهيرٍ وردَّني
على الرُّغمِ منّي عِلْمُهُ بالطبائعِ

أنا اليومَ إذ صانعتُ، أحسنُ حالةً
وأُحدوثةً منّي كَغَيْرِ مُصانعِ

خَبَتْ جذوةٌ لا ألهبَ اللهُ نارَها
إذا كانَ حتماً أنْ تَقَضَّ مضاجعي

بلى وشكرتُ العْمرَ أنْ مُدَّ حَبْلُه
إلى أنْ حباني مُهلةً للتراجُعِ

وألْفَيتُني إذ علَّ قومٌ وأنهلوا
حريصاً على سُؤرِ الحياةِ المُنازَعِ

تمنَّيتُ مَنْ لاقتْ عناء تطامُحي
تعودُ لِتَهْنا في نعيمِ تواضعي

فانَّ الذي قاستْ جرائرَهُ مَحَتْ
ضَراعتُهُ ذَنْبَ العزيزِ المُمانِعِ




الآراء (0)