تناقضات ن. ق. الرائعة - نزار قباني | القصيدة.كوم

نزار قباني

شاعر وناشر ودبلوماسي سوري. يجتمع في شعره عنصرا البساطة والأناقة ليرسما ثيمات من الحب والإيروتيكية والنسوية والدين والقومية العربية. يعتبر قباني واحدا من أكثر الشعراء العرب تقديراً كما يعتبر شاعر سوريا القومي. (1923-1998)


251 | 0 | 0 | 1




إلقاء: نزار قباني


1
وما بين حبٍّ وحبٍّ، أُحِبُّكِ أنتِ
وما بين واحدةٍ ودّعتني
وواحدةٍ سوف تأتي
أفتِّشُ عنكِ هنا وهناك
كأنَّ الزمانَ الوحيدَ زمانكِ أنتِ
كأنَّ جميعَ الوعودِ تَصُبُّ بعينيكِ أنتِ
فكيفَ أفسِّرُ هذا الشعورَ الذي يعتريني
صباحَ مساءْ
وكيف تمرّينَ بالبالِ، مثلَ الحمامة ِ
حينَ أكونُ بحضرة أحلى النساءْ؟

2
وما بينَ وعدينِ وامرأتين ِ
وبينَ قطارٍ يجيء وآخرَ يمضي
هنالكَ خمسُ دقائقَ
أدعوكِ فيها لفنجان شايٍ قبيلَ السفرْ
هنالكَ خمسُ دقائقْ
بها أطمئنُّ عليك قليلا
وأشتمُ فيها الزمانَ قليلا
وأشكو إليكِ همومي قليلا
هنالكَ خمسُ دقائقْ
بها تقلبينَ حياتي قليلا
فماذا تُسَمّينَ هذا التشتّتَ
هذا التمزّقَ
هذا العذابَ الطويلا الطويلا
وكيف تكونُ الخيانةُ حلّاً؟
وكيف يكونُ النفاقُ جميلا؟

3
وبين كلام الهوى في جميع اللغاتْ
هناكَ كلامٌ يقالُ لأجلكِ أنتِ
وفنٌّ سيربطه الدارسونَ بعصركِ أنتِ
وما بين وقتِ النبيذ ووقتِ الكتابة، يوجد وقتٌ
يكونُ به البحرُ ممتلئاً بالسنابلْ
وما بين نقطة حبر ٍ
ونقطة حبرٍ
هنالكَ وقتٌ
ننامُ معاً فيه، بين الفواصلْ

4
وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاءْ
هنالكَ فصلٌ أسمّيهِ فصلَ البكاءْ
تكونُ به النفسُ أقربَ من أيّ وقتٍ مضى للسماءْ
وفي اللحظات التي تتشابهُ فيها جميعُ النساءْ
كما تتشابهُ كلُّ الحروف على الآلة الكاتبَةْ
وتصبحُ فيها ممارسةُ الجنس ِ
ضرباً سريعاً على الآلة الكاتبَةْ
وفي اللحظاتِ التي لا مواقفَ فيها
ولا عشقَ، لا كرهَ، لا برق، لا رعدَ، لا شِعرَ، لا نثرَ،
لا شيءَ فيها
أسافرُ خلفَكِ،
أدخلُ كلَّ المطاراتِ،
أدخلُ كلَّ القطاراتِ،
اسألُ كلَّ الفنادق عنكِ،
فقد يتصادفُ أنكِ فيها

5
وفي لحظاتِ القنوطِ، الهبوطِ، السقوطِ، الفراغ، الخواءْ
وفي لحظات انتحار الأماني، وموتِ الرجاءْ
وفي لحظات التناقض ِ
حين تصير الحبيباتُ، والحب ضدّي
وتصبحُ كلُّ العصافير والشمس والبحر ضدّي
وتصبحُ فيها القصائدُ ضدّي
وتصبحُ - حتى النهودُ التي بايعتني على العرش - ضدّي
وفي اللحظات التي أتسكَّعُ فيها على طرق الحزن وحدي
أُفَكِّرُ فيكِ لبضع ثوان ٍ
فتغدو حياتي حديقةَ وردِ

6
وفي اللحظاتِ القليلةِ
حين يفاجئني الشعرُ دونَ انتظارْ
وتصبحُ فيها الدقائقُ حُبلى بألفِ انفجارْ
وتصبحُ فيها الكتابةُ فعلَ خلاص ٍ
وفعلَ انتحارْ
تطيرينَ مثلَ الفراشة بين الدفاتر والإصبعينْ
فكيفَ أقاتلُ خمسينَ عاماً على جبهتينْ؟
وكيفَ أبعثر لحمي على قارّتينْ؟
وكيفَ أجاملُ غيركِ؟
كيف أجالسُ غيركِ؟
كيفَ أضاجعُ غيركِ؟ كيف
وأنتِ مسافرة ٌ في عروق اليدينْ

7
وبين الجميلات من كل جنسٍ ولون ِ
وبين مئات الوجوه التي أقنعتني، وما أقنعتني
وما بين جرح ٍ أفتشُ عنهُ، وجرحٍ يفتشُ عني
أفكِّرُ في عصركِ الذهبي
وعصرِ المانوليا، وعصرِ الشموع، وعصرِ البخورْ
وأحلم في عصركِ ال كانَ أعظمَ كلّ العصورْ
فماذا تسمّينَ هذا الشعورْ؟
وكيفَ أُفَسِّرُ هذا الحضورَ الغيابَ، وهذا الغيابَ الحضورْ
وكيفَ أكونُ هنا، وأكونُ هناكْ؟
وكيف يريدونني أن أراهمْ
وليس على الأرض أنثى سواكْ

8
أُحِبُّكِ، حين أكونُ حبيبَ سواكِ
وأشربُ نخبكِ حين تصاحبني امرأةٌ للعشاءْ
ويعثر دوماً لساني
فأهتفُ باسمكِ حين أنادي عليها
وأُشغلُ نفسي خلال العشاءْ
بدرس التشابهِ بين خطوط يديكِ
وبينَ خطوط يديها
وأشعرُ أني أقومُ بدور المُهَرِّج ِ
حين أُرَكِّزُ شالَ الحرير على كتفيها
وأشعرُ أني أخونُ الحقيقة َ
حين أقارنُ بين حنيني إليكِ، وبين حنيني إليها
فماذا تسمُين هذا؟
انفصاماً، سقوطاً، هروباً، شذوذاً، جنوناً
وكيف أكونُ لديكِ؟
وأزعم أني لديها




الآراء (0)