حافظ إبراهيم - علي محمود طه | القصيدة.كوم

علي محمود طه

شاعر مصري رومانسي، شعره ملون بنكهة سياسية (1901-1949)


53 | 0 | 0 | 0



املئي الأرضَ من حدادٍ وغيهبْ
مالَ نجمُ البيانِ عنكِ وغرَّبْ
وخبا من مصابح الفكر نورٌ
كان أمضى من الشهابِ وأثقبْ
وطوى الموتُ هالةً كان يُنْمَى
كلُّ أفقٍ إلى سناها ويُنْسَبْ
يا سماءَ الخيال ما كلُّ يومٍ
من بني الشعر تظفرينَ بكوكبْ
ذهبَ الشاعرُ الذي رَدَّدَ الشـ
ـرقُ صدى شعره الجميلِ المحبَّبْ
ومضى الناثرُ الذي صوَّرَ النفسَ،
وجلَّى سرَّ الضميرِ المحجَّبْ
الأديبُ العريقُ في لغة الضَّا
دِ، وقاموسُها الصحيحُ المرتَّبْ
لم يكن شاعرَ القديم، ولا كا
نَ لآداب عصرِهِ يتعصَّبْ
كان يُعْنى بكل فَذٍّ من القو
لِ، ويُزْهَى بكلِّ حسنٍ ويُعجبْ
شاعرُ الحبِّ والجمالِ، وربُّ الـ
ـمنطقِ الحقِّ واليراعِ المؤدَّبْ
شعرُه من ينابع السحر ينسا
بُ، وفي عالم الحقيقة ينصبْ
عاطفيُّ القصيدِ، يعبثُ بالألبا
ب أسلوبُهُ الرشيقُ ويلعبْ
وخيالٌ يسمو إلى ما وراءِ الكو
ن من عالم اليقينِ ويذهبْ
يُنْفِذُ الفكرَ في مجاهل دنيا
هُ فيبدو له الخفيُّ المغَيَّبْ
ومعانٍ أرقُّ من نسمة الفجرِ
ولفظٌ من سلسل الخمرِ أعذبْ
وبيانٌ يسيلٌ في كل نفسٍ
فعلُه من غرائبِ السحر أغربْ
وقوافٍ كأنَّها نغماتٌ
هاجها الشجوُ في يراعٍ مُثَقَّبْ
وكأنَّ الأوزانَ شتَّى مثانٍ
ترقص النفسُ وفقهنَّ فتطربْ
**

بؤساءَ الحياة من لكمُ اليو
مَ على الحادثات، والعيشُ أخطبْ
ضاقت الأرضُ بالحنانِ، وفاضتْ
بالأذى أبحرًا، تضجُّ وتصخبْ
فابحثوا في شعابها عن مقيلٍ
وانشدوا من منافِذِ النَّجم مهربْ
قد فَقدتم نصيرَكم وسُلبتمْ
عَضُدًا شَذَّ أن يُغال ويُسلبْ
عَقَلَ الموتُ مِقولًا منه عضبًا
وطوى مهجةً وأطبق هيدبْ
وخلا اليومَ مِنْ شجاكم فؤادٌ
ذابَ من رحمةٍ لكم وتصبَّبْ
وَغَفَتْ أعينٌ بكتكم بدمعٍ
لم تَدَعْ منه ما يُراق ويُسكبْ
الرفيقُ الحاني على كلِّ قلبٍ
أنشبَ البؤسُ فيه نابًا ومخلبْ
والخفيفُ الخطى إلى كل نفسٍ
مال عنها نصيرُها وتنكَّبْ
فاذكروه على الليالي إذا ما
زحمَ الدهرُ ركنَكم وتألَّبْ
**

مَنْ لصرعى الهمومِ بعدَك يا حا
فظُ، مَنْ للحزينِ؟ مَنْ للمعذَّبْ؟
كنتَ برًّا بهم، وأحْنى عليهم
من فؤادِ الأبِ الشفيقِ، وأحدبْ
عَجَبٌ صبرُهم على خطبك الدَّاوي
وصبرُ البَأساءِ من ذاكَ أعجبْ!
قُمْ وشاهد مآتمَ الشرقِ وانظرْ
كيف يُبكى البيانُ فيك ويُندبْ
قَسَمًا لو يُرَدُّ «هيجو» إلى العيـ
ـشِ لألقى لكَ الزمامَ وقَرَّبْ
ومشى في يمينه غارُ «باريـ
ـسَ» إلى رأسِكَ الكريمِ وعَصَّبْ
وتمنَّى الذي كتبت عن البؤ
سِ وردَّ الأصيل دون المعرَّبْ!
**

فُجِعَتْ نهضةُ البلاد ببانٍ
شدَّ من ركنها، وشادَ، وطنَّبْ
وحباها من شعرِه وحجاهُ
ما أفادَ الجهادَ فخرًا وأكسبْ
هزَّ أشبالها الكماةَ وأحيا
أملًا في صدورهم يتوثَّبْ
لو شهِدتم غداةَ ثورتها الكبرى
لَجَاجَ النفوسِ وهي تَلَهَّبْ
لرأيتم في ثورةِ النفسِ منه
محنقًا من قساورِ الغيل مُغْضَبْ
لم يَزَلْ منه في المسامع صوتٌ
تتوقَّى الظُّبَى صداهُ وترهبْ
نافذٌ في الصميم من باطلِ القو
مِ كما ينفُذُ السِّنانُ المذرَّبْ
**

حافظَ الودِّ والذمامِ سلامًا
لم يَعُدْ بعدُ من يُوَدُّ ويُصحَبْ
كنتَ نعم الصديقِ في كل آنٍ
حينَ يُرجى الصديقُ أو حين يُطلبْ
لم تُغَيِّرْكَ من زمانِكَ دنيا
وحياةٌ بأهلها تتقلَّبْ
خُلُقٌ رضتَه على شرعةِ الصدقِ
وإنْ خانكَ الرجاءُ وكذَّبْ
وإياءٌ حميتَهُ من صغارٍ
وبريقِ من المواعد خُلَّبْ
وفؤادٌ لغير عاطفة الـ
ـوِجدان لا يدَّنِي ولا يتقرَّبْ
وضميرٌ لا يبلغُ المالُ منه
وبلوغُ النجومِ من ذاك أقربْ
ولسانٌ حفظته من سؤالٍ
لا يَمينُ الكلامَ أو يتذبذبْ
يلفظُ الروحَ صاديًا وإذا لم
يَصْفُ للماءِ موردٌ ليس يشربْ
صفحاتٌ نقيةٌ بمدادِ الحـ
ـقِّ في مجتلِي العظائِم تُكتبْ
**

خانني فيك منطقي، وعصاني
قَلَمٌ طالما أفاضَ وأسهبْ
آب بالشعرِ من مصابِكَ يبكي
رزءَه فيك والرجاءَ المخيَّبْ
أنتَ من أمةٍ بهم بعثَ الله
هداهُ إلى الشعوبِ فثوَّبْ
لم يَزَلْ منكم على الأرض ظِلٌّ
وشعاعٌ هادٍ، وغيثٌ مُصوَّبْ
ويجوبُ الحياةَ في كل آنٍ
هاتفٌ منكمُ وطيفٌ تأوَّبْ
حُضَّرٌ في القلوب أنتم وإن كنـ
ـتم، على ملتقى النواظر غُيَّبْ




الآراء (0)