الأشواق التائهة - أبو القاسم الشابي | القصيدة.كوم

أبو القاسم الشابي

شاعر تونسي، كان مصابا بمرض القلب ومات بعمر ال25، مع ذلك يعتبر من أشهر شعراء العصر الحديث (1909-1934)


90 | 0 | 0 | 0



يا صميمَ الحياةِ! إني وحيدٌ
مدْلجٌ، تائهٌ، فأين شروقُكْ؟

يا صميمَ الحياةِ! إني فؤادٌ
ضائع، ظامئٌ، فأين رحيقكْ؟

يا صميمَ الحياةِ! قد وجَم النَّايُ
وغام الفض، فأين بروقكْ؟

يا صميمَ الحياةِ! أين أغانيك!
فتحت النجومِ يُصغِي مَشوقكْ

كنتُ في فجرِك، الموشَّح
بالأحلام، عِطْرً، يَرِفُّ فوق ورودكْ

حالمً، ينهل الضياءَ، ويُصغي
لكَ في نشوةٍ بوحي نشيدكْ

ثمّ جاء الدُّجى..، فأمسيتُ
أوراقً، بدادً، من ذابلاتِ الورودِ

وضبابًا من الشّذى، يتلاشى
بين هول الدُّجى وصمتِ الوجودِ

كنتُ في فجركَ المغلَّفِ
بالسحرِ، فَضَاءً من النشيد الهادي

وسحابًا من الرُّؤى، يتهادى
في ضميرِ الآزالِ والآبادِ

وضياءً، يعانق العالَمَ الرحبَ
ويسري في كلٍّ خافٍ وبادِ

وانقضى الفجرُ.. فانحدرتُ من
الأفق ترابًا إلى صميم الوادي

يا صميمَ الحياةِ! كم أنا في الدنيا
غريبٌ! أشقى بغربةِ نفسي

بين قومٍ، لا يفهمونَ أناشيدَ
فؤادي، ولا معانيَ بؤسي

في وجودٍ مكبَّلٍ بقيودٍ
تائهٍ في ظلام شكّ ونحسِ

فاحتضِنِّي، وضُمَّني لك كالماضي
فهذا الوجودُ علّةُ يأسي

لم أجد في الوجودِ إلاّ شَقَاءً
سرمديًّ، ولذّةً، مضمحلَّهْ

وأمانيَّ، يُغرِقُ الدمعُ أحلاه
ويُفني يمُّ الزمان صداها

وأناشيدَ، يأكل اللَّهَبُ الدّامي
مسراتِه، ويُبْقِي أساها

وورودً، تموت في قبضةِ الأشواكِ
ما هذه الحياة المُمِلَّهْ؟!

سأمٌ هذه الحياة مُعَادٌ
وصباحٌ، يكرُّ في إثر ليلِ

ليتني لم أَفِدْ إلى هذه الدني
ولم تسبح الكواكبُ حولي!

ليتني لم يعانق الفجرُ أحلامي
ولم يلثم الضياءُ جفوني!

ليتني لم أزل - كما كنت - ضوءً
شائعًا في الوجود غيرَ سجينِ!




الآراء (0)