الحوار الأزلي - يوسف الخال | القصيدة.كوم

شاعر وصحفي لبناني سوري، وأحد رواد الشعر الحديث، ومؤسس مجلة "شعر" (1917-1987)


1514 | 0 | 0 | 5



I
متى تُمحَى خطايانا؟
متى تورقُ آلامُ المساكينِ؟
متى تلمسُنا أصابعُ الشكّ؟
أأمواتٌ تُرى نحن على الدربِ ولا ندري؟
تُوارينا عن الأبصار أكفانٌ
من الرمل، غبارٌ ذرَّه الحافرُ
في ملاعب الشمس.

تقول لي:
أنا لمّا أزلْ طفلاً، تأمّلْني
فللطوفان آثارٌ على قميصيَ الرطْبِ،
وفي عينيَّ أسرارٌ
عذارى لم تُفقْ بعدُ، تباريحٌ
سكبنَ الدمعةَ الأولى، جراحاتٌ
ملأنَ جسميَ الغضَّ وما زلنَ
أعطشانٌ؟ خذِ الصخرة واضربْها،
أفي العتمةِ؟ دحرجْها عن القبر.
وإمّا عضَّكَ الجوعُ فهاكَ المنّ والسلوى،
وإمَا صِرْتَ عُرْياناً
فخُذْ من ورق التين رداءً
يسترُ الإثمَ، يُواريه عن الناس.
وفي التجربة الكبرى
تصبَّرْ صَبْرَ أيوبٍ، ولا تهلعْ
إذا ما استحفل الشرُّ:
صليبُ الله مرفوعٌ على رابية الدهرِ.
وفي الشطّ مناراتٌ متى ضاءت
ضربنا جبهة الفجر بأيدينا، وفجّرنا
من الصخرة ماء يجرف الرملَ
إلى البحر. وفي الأفق جناحا طائرٍ
حطّا على جمجمة الليل،
وفيه نجمةٌ سمراءُ تروي قصّة
المرود للرائح والغادي. وفي السرّ،
متى يعرى إلهٌ ملأ العينَ،
إلهٌ لم يمتْ بعدُ، إلهٌ سكبَ
الحبَّ على الجرحِ.


II
وفي دربي
تماسيحٌ وأشباهُ تماسيحٍ،
وبومٌ ملأ الدار، وغربانٌ.
وغيمٌ أسودٌ ينذرُ بالطوفان، بالموتِ
على قارعة الدرب: عظامٌ يبستْ
في الذلِّ، في الوحدة، في الآنِ.
وهذا الزاحف العاري أإنسانٌ،
أإنسانٌ على شاكلة الله؟
أراهُ قُدَّ من لحم الشياطينِ،
أراهُ ذبحَ التنين في الغاب وأجرى
دمه في الأرضِ يروي
غلّةَ الظامئ للفتح، لكونٍ
يبدأُ البدءُ به بعدُ.
أراه حملَ الأرضَ بكفّيهِ،
رماهُ في الدهاليز، بنى كوخاً
من الفولاذ لا يدركهُ الموتُ
أو السرُّ. أراهُ أفرغَ البحرَ
بعينيه، وأخفى رأسَهُ في الرملِ
خوفاً من أعاديه: ترى هل يبصر
الأعمى أعاديهِ:
عروقٌ لم تعدْ
تنبضُ بالحب أو البغض،
لسانٌ ناطقٌ إلا
بما كان له النطق،
وعقلٌ تاهَ في الدربِ، ولا دربُ.

III
عبيدٌ نحن للماضي، عبيدٌ نحنُ
للآتي، عبيدٌ نرضعُ الذلَّ
من المهدِ الى اللحدِ، خطايانا؟
يدُ الأيام لم تصنعْ خطايانا.
خطايانا صنعناها بأيدينا:
لعلَّ الشمسَ لم تُشرق لتُحيينا:
هنا مقبرةُ النورِ، هنا الرملُ،
هنا dستنسرُ البُغّاثُ، تفنَى القمحةُ
الأولى، هنا ينعدمُ الشكُّ،
يموتُ القولُ في الألسنةِ الحقِّ.
صليبُ الله لم يمحُ خطايانا،
فهل تُمحَى إذا ما سابقَ
الريحُ جناحانا، إذا ما انفَضَّ
ختمُ السرِّ أو دانت لنا الدنيا؟
غدي ضربُ مواعيدٍ مع الوهمِ.
وهذا شأنُ أجدادي من البدءِ:
غرابُ البين لم يرحمْ ضحايانا
ولم ينهضْ من القبرِ سوى الله،
سوى شيءٍ هو اللهُ. أكلنا لحمَهُ
خبزاً، شربنا دَمَهُ خمراً،
فما أشبعَنا الخبزُ
ولا أسكرنا الخمرُ.
وهلّا ينفعُ الضوءُ
إذا ما خُبِّئَ الضوءُ بمكيالِ؟

VI
تُرى يدركُنا الموت كما نحن
حيارى؟ لا الذي صارَ فهمناه،
قبلناه، ولا ذاك الذي كان.
كفرنا، لا يدُ الإيمان تفدينا
كإسحقٍ ولا شفاعةُ الحب:
وما زالَ صليبُ الله مرفوعاً
على رابية الدهر. به تُمحى خطايانا،
به تورق آلامُ المساكين
به تلمسنا أصابع الشكِّ
وتطوى سيرةُ الموتِ على الأرض.

بيروت 15-10-1956


نُشرت في العدد الأول لمجلة "شعر" – كانون ثاني 1957


الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.